أهل السماوات والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه .
فإن قلت : فالذنوب هي أعمال مشتهاة بالطبع فكيف يجد مرارتها ؟ فأقول : من تناول عسلا كان فيه سم ولم يدركه بالذوق واستلذه ثم مرض وطال مرضه وألمه وتناثر شعره وفلجت أعضاؤه فإذا قدم إليه عسل فيه مثل ذلك السم وهو في غاية الجوع والشهوة للحلاوة فهل تنفر نفسه عن ذلك العسل أم لا ؟ فإن قلت : لا ، فهو جحد للمشاهدة والضرورة ، بل ربما تنفر عن العسل الذي ليس فيه سم أيضا لشبهة به ، فوجد أن التائب مرارة الذنب كذلك يكون ، وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم ، ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان . ولما عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون ، فلا ترى إلا معرضا عن اللّه تعالى متهاونا بالذنوب مصرّا عليها ، فهذا شرط تمام الندم وينبغي أن يدوم إلى الموت وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب وإن لم يكن قد ارتكبها من قبل ، كما يجد متناول السم في العسل النفرة من الماء البارد مهما علم أن فيه مثل ذلك السم ، إذ لم يكن ضرره من العسل بل مما فيه ، ولم يكن ضرر التائب
شرح
لو شفع فيه أهل السماوات والأرض ما قبلت توبته ، وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه ) نقله صاحب القوت .
( فإن قلت : فالذنوب هي أعمال مشتهاة بالطبع ) أي أن الانسان يشتهيها بموجب طبعه الذي جبل عليه ، ( فكيف يجد مرارتها ) وكيف يتمكن من قلبه ؟ ( فأقول : من تناول عسلا كان فيه سم ولم يدركه بالذوق واستلذه ثم مرض وطال مرضه وألمه وتناثر شعره وفلجت أعضاؤه ) كما هي خاصية من يتناول السمومات ، ( فإذا قدم إليه عسل فيه مثل ذلك السم وهو في غاية الجوع والشهوة للحلاوة فهل تنفر نفسه عن ) تناول ( ذلك العسل أم لا ؟ فإن قلت : لا ) تنفر ( فهو جحد للمشاهدة والضرورة ) أي إنكار لهما ، ( بل ) الحق أنه ( ربما تنفر عن العسل الذي ليس فيه سم أيضا لشبهه به ، فوجد أن التائب مرارة الذنب كذلك يكون ، وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم ، ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان . ولما عزّ مثل هذا الإيمان ) أي ندر ( عزت التوبة والتائبون ) وقلّ وجودها ووجود من يتصف بها ، ( فلا ترى إلا معرضا عن اللّه تعالى متهاونا بالذنوب مصرا عليها ، فهذا شرط تمام الندم وينبغي أن يدوم ) هذا الشرط ( إلى الموت وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب وإن لم يكن قد ارتكبها من قبل ، كما يجد متناول السم في العسل النفرة عن ) شرب ( الماء البارد مهما علم أن فيه مثل ذلك السم ، إذ لم يكن ضرره من العسل نفسه بل مما فيه ) وهو السم ، ( ولم يكن ضرر التائب من سرقته وزناه