كل مخالفة فهي كبيرة ، وكذلك قال بعض الصحابة رضي اللّه عنهم للتابعين : إنكم لتعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الموبقات ، إذ كانت معرفة الصحابة بجلال اللّه أتم ، فكانت الصغائر عندهم بالإضافة إلى جلال اللّه تعالى من الكبائر ، وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل ، ويتجاوز عن العامي في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف ، لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف .
ومنها : السرور بالصغيرة والفرح والتبجح بها واعتداد التمكن من ذلك نعمة والغفلة عن كونه سبب الشقاوة ، فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت الصغيرة وعظم
شرح
الكبرياء ومخالفة أمره إليها فلم يغفر ذنب عند ذلك ، ( وبهذا الاعتبار قال بعض العارفين : لا صغيرة بل كل مخالفة فهي كبيرة ) وروي ذلك عن ابن عباس . أخرج ابن جرير عن أبي الوليد قال : سألت ابن عباس عن الكبائر قال : كل شيء عصى اللّه به فهو كبيرة ، وقد تقدم . واختاره أبو إسحاق الأسفرايني ، وأبو بكر الباقلاني ، وإمام الحرمين في الإرشاد والقشيري في المرشدة ، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة واختاره في تفسيره واعتمد عليه التقي السبكي ، وقد تقدم أن المصنف ضعف هذا القول . قال صاحب القوت : فكانت الصغائر عند الخائفين كبائر وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى :وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ[ الحج : 30 ] وقوله تعالى :وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[ الحج : 32 ] .
( وكذلك قال بعض الصحابة ) أبو سعيد الخدري كما تقدم التصريح به للمنصف ، وقيل أنس ، وقيل عبادة بن الصامت ( للتابعين : إنكم لتعملون أعمالا هي أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الموبقات ) وتقدم للمصنف من الكبائر بدل الموبقات ، فحديث أبي سعيد رواه أحمد والبزار ، وحديث أنس رواه البخاري ، وحديث عبادة رواه أحمد والحاكم وقد تقدم . قال صاحب القوت : ليس يعنون ان الكبائر التي كانت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صارت بعد صغائر ، ولكن كانوا يستعظمون الصغائر لعظم اللّه في قلوبهم وعظم نور الإيمان ، ولم يكن ذلك في قلوب من بعدهم ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( إذ كانت معرفة الصحابة أتم بجلال اللّه فكانت الصغائر عندهم بالإضافة إلى جلال اللّه تعالى من الكبائر ، وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل ويتجاوز عن العاصي في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف ) البصير ، ( لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف ) فكلما زادت معرفته باللّه زادت خشيته له وكان أبعد الناس عن المخالفة له في أمره .
( ومنها : السرور بالصغيرة والفرح والتبجح بها ) أي الافتخار ( واعتداد التمكن من ذلك نعمة والغفلة عن كونه سبب الشقاوة ) لأنه يدل على عدم التفكر في ثواب اللّه وعقابه ، ( فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت الصغيرة وعظم اثرها في تسويد قلبه )