تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
ولا غير نفسه ، وهذه الحالة هي التي توصل في الآخرة إلى قرة عين لا يتصور أن تخطر في هذا العالم على قلب بشر ، كما يتصوّر أن تخطر صورة الألوان والألحان على قلب الأصم والأكمه ، إلا أن يرفع الحجاب عن سمعه وبصره ، فعند ذلك يدرك حاله ويعلم قطعا أنه لم يتصور أن تخطر بباله قبل ذلك صورته فالدنيا حجاب على التحقيق ، وبرفعه ينكشف الغطاء ، فعند ذلك يدرك ذوق الحياة الطيبة :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
[ العنكبوت : 64 ] ، فهذا القدر كاف في بيان توزع الدرجات على الحسنات ، واللّه الموفق بلطفه .
شرح
فتكون نفسه موجودة والخلق موجودين ، ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق غير محس بنفسه وبالخلق ، وقد يرى الرجل يدخل على ذي سلطان أو محتشم فيذهل عن نفسه وعن أهل مجلسه ، وربما يذهل عن ذلك المحتشم حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده عن أهل مجلسه وهيئة ذلك الصدر وهيئة نفسه لم يمكنه الأخبار عن شيء قال اللّه تعالى :فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ[ يوسف : 31 ] لم يجدن عند لقاء يوسف على الوهلة ألم قطع الأيدي وهن أضعف الناس وقلنما هذا بَشَراًولقد كان بشرا وقلنإِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌولم يكن ملكا فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ، فما ظنك بمن يكاشف بشهود الحق سبحانه ؟ فلو تغافل عن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه فأي أعجوبة فيه ؟ فمن فني عن جهله بقي بعلمه ، ومن فني عن شهوته بقي بإنابته ، ومن فني عن رغبته بقي بزهادته ، ومن فني عن مشيئته بقي بإرادته . وكذلك القول في جميع صفاته فإذا فني العبد عن صفة مما جرى ذكره يرتقي عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وهي مراتب ثلاث . فالأولى : فناء عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحق ، ثم فناؤه عن صفات الحق بشهود الحق كذا قرره القشيري في الرسالة ، ( وهذه الحالة هي التي توصل في الآخرة إلى قرة عين لا يتصور أن تخطر على قلب بشر في هذا العالم ، كما لا يتصور أن تخطر صورة الألوان ) المتنوعة ( والألحان ) المختلفة ( على قلب الأصم والأكمه ) فيه لف ونشر غير مرتب ، والأكمه من ولد أعمى أو عمى قبل أن يميز ويدرك ( إلا أن يرفع الحجاب عن سمعه وبصره ، فعند ذلك يدرك حاله ويعلم قطعا أنه لم يتصور أن يخطر بباله قبل ذلك صورته ، فالدنيا حجاب على التحقيق وبرفعه ينكشف الغطاء ) وتتضح الحقائق ، وإليه الإشارة بقول بعض السادة : إنما الكون خيال وهو حق في الحقيقة ، كل من يفهم هذا حاز أسرار الطريقة ، ( فعند ذلك يدرك ذوق الحياة الطيبة ) المشار إليها بقوله تعالى :فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً[ النحل : 97 ] ( و ) يدرك أيضا : ( إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ) وكيف يعلمون والحجاب على قلوبهم ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في كتاب العلم ، ( فهذا القدر كاف في بيان توزع الدرجات ) والدركات ( على الحسنات والسيئات ) في الآخرة ( واللّه الموفق بلطفه ) وكرمه .