تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 685

مساهمون:

ص٦٨٥
والعارفون مطلبهم تلك الحالة التي لا يتصوّر أن تخطر على قلب بشر في هذا العالم وأما الحور والقصور والفاكهة واللبن والعسل والخمر والحلى والأساور فإنهم لا يحرصون عليها ولو أعطوها لم يقنعوا بها ، ولا يطلبون إلا لذة النظر إلى وجه اللّه تعالى الكريم فهي غاية السعادات ونهاية اللذات ولذلك قيل لرابعة العدوية رحمة اللّه عليها : كيف رغبتك في الجنة ؟ فقالت : الجار ثم الدار ، فهؤلاء قوم شغلهم حب رب الدار عن الدار وزينتها ، بل عن كل شيء سواه حتى عن أنفسهم ، ومثالهم مثال العاشق المستهتر بمعشوقه المستوفي همه بالنظر إلى وجهه والفكر فيه ، فإنه في حال الاستغراق غافل عن نفسه لا يحس بما يصيبه في بدنه ويعبر عن هذه الحالة بأنه فني عن نفسه ، ومعناه أنه صار مستغرقا بغيره وصارت همومه هما واحدا وهو محبوبه ، ولم يبق فيه متسع لغير محبوبه حتى يلتفت إليه لا نفسه
شرح
صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو حديث قدسي رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة ورواه ابن جرير من حديث أبي سعيد ، ورواه أيضا عن قتادة مرسلا ، ورواه أيضا عن الحسن بلاغا بلفظ : « قال ربكم أعددت لعبادي الذي آمنوا وعملوا الصالحات ما لا عين رأت » الحديث . ( والعارفون مطلبهم تلك الحالة التي لا يتصور أن تخطر على قلب بشر في هذا العالم ، وأما الحور والقصور والفاكهة واللبن والعسل والخمر والحلي والأساور ) والذهب والحرير وغير ذلك مما ذكر في القرآن ، ( فإنهم لا يحرصون عليها ولو أعطوها لم يقنعوا بها ) وطلبوا ما وراء ذلك ، ( ولا يطلبون إلا لذة النظر إلى وجه اللّه الكريم فهي غاية السعادات ونهاية اللذات ، ولذلك قيل لرابعة ) بنت إسماعيل ( العدوية ) البصرية العابدة المشهورة ( رحمة اللّه عليها ) وكانت من أقران الحسن البصري : ( كيف رغبتك في الجنة ؟ فقالت : الجار ثم الدار ) . وقد روي ذلك مرفوعا من حديث علي : « الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق والزاد قبل الرحيل » . رواه الخطيب في الجامع ، ورواه الطبراني من حديث رافع بن خديج بزيادة في آخره . ( فهؤلاء قوم شغلهم حب رب الدار عن الدار وزينتها بل عن كل شيء سواء حتى عن أنفسهم ، ومثالهم مثال العاشق المستهتر بمعشوقه ) أي المولع به المدهوش في حبه ( المستوفي همه بالنظر إلى وجهه والفكر فيه ، فإنه في حالة الاستغراق غافل عن ) كل شيء سواه حتى ( عن نفسه ) فهو ( لا يحس بما يصيبه في بدنه ) من الآلام والمصائب ، ( ويعبر هذه الحالة بأنه فني عن نفسه ، ومعناه أن صار مستغرقا بغيره وصارت همومه ) كلها ( هما واحدا وهو محبوبه ، يبق فيه متسع لغير محبوبه حتى يلتفت إليه لا نفسه ولا غير نفسه ) . أعلم أنه من استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا يقال : إنه فني عن الخلق وبقي بالحق وفناؤه عن نفسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم ، فإذا فني عن الأفعال والأحوال والأخلاق فلا يجوز أن يكون فني عنه وجودا ، وإذا قيل : إنه فني عن نفسه وعن الخلق فتكون نفسه موجودة والخلق موجودون ، ولكنه لا علم له بهم ولا بها ولا إحساس ولا خبر ،