تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
والفوز في الآخرة لهما أسباب خفية ليس في قوّة البشر الاطلاع عليها ، يعبّر عن ذلك السبب الخفي المفضي إلى النجاة بالعفو والرضا وعما يفضي إلى الهلاك بالغضب والانتقام ، ووراء ذلك سر المشيئة الإلهية الأزلية التي لا يطلع الخلق عليها ، فلذلك يجب علينا أن نجوّز العفو عن العاصي وإن كثرت سيئاته الظاهرة والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته الظاهرة ، فإن الاعتماد على التقوى والتقوى في القلب ، وهو أغمض من أن يطلع عليه صاحبه فكيف غيره ، ولكن قد انكشف لأرباب القلوب أنه لا عفو عن عبد إلا بسبب خفي فيه يقتضي العفو ، ولا غضب إلا بسبب باطن يقتضي البعد عن اللّه تعالى ، ولولا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف ، ولو لم يكن جزاء لم يكن عدلا ، ولو لم يكن عدلا لم يصح قوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] ولا قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] وكل ذلك صحيح ، فليس للإنسان إلا ما سعى ، وسعيه هو الذي يرى ، وكل نفس بما كسبت رهينة ، فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم ، ولما غيروا ما بأنفسهم غير اللّه ما بهم ، تحقيقا
شرح
يتبدل ولا يتغير ، ( إذ ليس في قوة البشر الوقوف على كنهها ) أي حقيقتها ، ( فكذلك النجاة والفوز في الآخرة لهما أسباب خفية ليس في قوة البشر الاطلاع عليها يعبر عن ذلك السبب الخفي المفضي إلى النجاة بالعفو والرضا وعما يفضي إلى الهلاك بالغضب والانتقام ، ووراء ذلك سر المشيئة ) الإلهية ( الأزلية التي لا يطلع الخلق عليها ) فهم عنه محجوبون وعن إداركه غافلون ، ( فكذلك يجب علينا أن نجوز العفو عن العاصي وإن كثرت سيئاته الظاهرة و ) أن نجوز ( الغضب على المطيع وإن كثرت طاعته الظاهرة ، فإن الاعتماد على التقوى والتقوى في القلب وهو أغمض من أن يطلع عليه صاحبه فكيف غيره ، ولكن قد انكشف لأرباب القلوب ) والبصائر ( أنه لا عفو عن عبد إلا بسبب خفي فيه يقتضي العفو ) والمسامحة ، ( ولا غضب إلا بسبب باطن يقتضي البعد عن اللّه تعالى ، ولولا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف ) وقد قال اللّه تعالى :إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ التحريم : 7 ] ( ولو لم يكن جزاء لم يكن عدلا ولو لم يكن عدلا لم يصح قوله تعالى :وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِولا قوله تعالى )وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[ الكهف : 49 ] ولا قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍوكل ذلك صحيح ) لا خلاف فيه ( فإنه ليس للإنسان إلا ما سعى وسعيه هو الذي يرى ) كما قال تعالى :وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى[ النجم : 49 - 41 ] ( و ) قال تعالى :( كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ )[ المدثر : 38 ] أي محبوسة . وقال تعالى :( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ )[ الصف : 5 ] أي أمالها عن وجه الصواب ، ( ولما غيروا ما بأنفسهم غير