المظلوم بحسنة الظالم ، إذ ينقل إليه عوضا عما ظلم به وقد حكي عن ابن الجلاء أن بعض إخوانه اغتابه ثم أرسل إليه يستحله فقال : لا أفعل ، ليس في صحيفتي حسنة أفضل منها ، فكيف أمحوها . وقال هو وغيره : ذنوب أخواني من حسناتي أريد أن أزين بها صحيفتي ، فهذا ما أردنا أن نذكره من اختلاف العباد في المعاد في درجات السعادة والشقاوة ، وكل ذلك حكم بظاهر أسباب يضاهي حكم الطبيب على مريض بأنه يموت لا محالة ولا يقبل العلاج ، وعلى مريض آخر بأن عارضه خفيف وعلاجه هين ، فإن ذلك ظن يصيب في أكثر الأحوال ، ولكن قد تتوب إلى المشرف على الهلاك نفسه من حيث لا يشعر الطبيب ، وقد يساق إلى ذي العارض الخفيف أجله من حيث لا يطلع عليه ، وذلك من أسرار اللّه تعالى الخفية في أرواح الأحياء وغموض الأسباب التي رتبها مسبب الأسباب بقدر معلوم ، إذ ليس في قوّة البشر الوقوف على كنهها ، فكذلك النجاة
شرح
الظالم ، إذ تنقل إليه عوضا عما ظلم به ) فقد روى الخرائطي في مساوىء الأخلاق من حديث أبي أمامة « إن العبد ليعطي كتابه يوم القيامة منشورا فيرى فيه حسنات لم يعملها فيقول : رب لم أعمل هذه الحسنات ، فيقول : إنها كتبت باغتياب الناس إياك ، وأن العبد ليعطي كتابه يوم القيامة منشورا فيقول : يا رب ألم أعمل حسنة يوم كذا وكذا ؟ فيقال له : محيت عنك باغتيابك الناس » .
وفي إسناده الحسن بن دينار عن الخطيب بن حجدر ، ولفظ القوت : وكثيرون يدخلون الجنة بحسنات غيرهم إذا طرحت عليهم لأنها صحيحة ثابتة وقد تبطل حسناتهم لدخول الآفات عليها .
( وقد حكي عن ) أبي عبد اللّه محمد بن يحيى ( ابن الجلاء ) البغدادي أقام بالرملة ودمشق ، صحب أبا تراب النخشبي ، وذا النون ، وأبا عبيد البسري ، وأبا يحيى الجلاء ترجم له القشيري في الرسالة ( أن بعض إخوانه اغتابه ) أي ذكره بما يكره ( ثم أرسل إليه ) رسولا ( ليستحله فقال : لا أفعل ليس في صحيفتي حسنة أفضل منها فكيف أمحوها ) كذا في القوت ؟ ( وقال هو وغيره : ذنوب إخواني من حسناتي أريد أن أزين بها صحيفتي ) ذكره صاحب القوت من بقية قول ابن الجلاء السابق .
( فهذا ما أردنا أن نذكره من اختلاف العباد في المعاد ) أي في الآخرة ( في درجات السعادة والشقاوة ، وكل ذلك حكم بظاهر أسباب يضاحي حكم الطبيب على مريض بأنه يموت لا محالة ولا يقبل العلاج ) لشدة ما عرض له من المرض ، ( وعلى مريض آخر بأن عارضه خفيف وعلاجه هين ) أي سهل ، ( فإن ذلك ظن يصيب في أكثر الأحوال ولكن قد تثوب ) أي ترجع ( إلى المشرف على الهلاك نفسه ) أي إلى الصحة ( من حيث لا يشعر الطبيب ، وقد يساق إلى ذي العارض الخفيف أجله من حيث لا يطلع عليه وذلك لأسرار اللّه الخفية في أرواح الإحياء وغموض الأسباب التي رتبها مسبب الأسباب بقدر معلوم ) لا