النار إلا موحد . ولست أعني بالتوحيد أن يقول بلسانه لا إله إلا اللّه ، فإن اللسان من عالم الملك والشهادة فلا ينفع إلا في عالم الملك فيدفع السيف عن رقبته وأيدي الغانمين عن ماله ، ومدة بقاء الرقبة والمال مدة الحياة ، فحيث لا تبقى رقبة ولا مال لا ينفع القول باللسان ، وإنما ينفع الصدق في التوحيد وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من اللّه ، وعلامته أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجري عليه ، إذ لا يرى الوسائط وإنما يرى مسبب الأسباب كما سيأتي تحقيقه في التوكل ، وهذا التوحيد متفاوت ، فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال ، ومنهم من له مثقال . ومنهم من له مقدار خردلة وذرّة ، فمن في قلبه مثقال دينار من إيمان فهو أول من يخرج من النار . وفي الخبر يقال :
« أخرجوا من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان » ، وآخر من يخرج من في قلبه
شرح
بالتوحيد أن يقول بلسانه لا إله إلا اللّه فإن اللسان من عالم الملك والشهادة فلا ينفع ) هذا التوحيد ( إلا في عالم الملك فيدفع السيف عن رقبته ) أي سيف المجاهدين ، ( و ) تدفع ( أيدي الغانمين عن ماله ) وذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وأعراضهم وحسابهم على اللّه وجل » . ( ومدة بقاء الرقبة والمال مدة الحياة ) في عالم الملك ( فحيث لا تبقى رقبة ولا مال له لا ينفع القول باللسان ، وإنما ينفع الصدق في التوحيد وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من اللّه ) عز وجل . قال أبو عبد اللّه بن الجلاء : من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد ، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد ، ومن رأى الأفعال كلها من اللّه فهو موحد ، ( وعلامته أن لا يغضب على أحد من خلقه بما يجري عليه ) من المقدرات الأزلية من خير أو شر ، ( إذ لا يرى الوسائط ) لأنها تضمحل عن نظرة ، ( وإنما يرى مسبب الأسباب ) وهذا هو مرتبة الفناء في اللّه ( كما سيأتي تحقيقه في ) كتاب ( التوكل ) إن شاء اللّه تعالى ، ( وهذا التوحيد متفاوت ) بتفاوت الموحدين ، ( فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال ) وهؤلاء هم الأنبياء والمقربون والصديقون ، ( ومنهم من له مثقال ) وزنه درهم وثلاثة أسباع درهم ، ( ومنهم من له مقدار خردلة ) والخردلة معروفة ، ( و ) منهم من ( له مثقال ذرة ) وهي البهاء الذي يظهر في ضوء الشمس من كوة ، ( فمن ) كان ( في قلبه ) منه ( مثقال دينار ) أي وزنه ( من إيمان فهو أول من يخرج من النار . وفي الخبر يقال : « أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان » ) روى الطيالسي ، وأحمد والشيخان والترمذي ، وابن ماجة ، وابن خزيمة ، وابن حبان من حديث أنس « يخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من يقول لا إله إلا اللّه وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة » . وروى الترمذي وقال : حسن صحيح من حديث أبي سعيد « يخرج من النار في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » .