الكافرين ، كما يجب أن يكون المعتاض عن الجمل الكبير جوهرة صغيرة عند الجاهلين من المبذرين المضيعين ، فإذا عرفت هذه الدقائق فآمن بقوله عليه السلام : « إنه يعطي آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات » وإياك أن تقتصر بتصديقك على ما يدركه البصر والحواس فقط فتكون حمارا برجلين ، لأن الحمار يشاركك في الحواس الخمس وإنما أنت مفارق للحمار بسر إلهي عرض على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منه ، فإدراك ما يخرج عن عالم الحواس الخمس لا يصادف إلا في عالم ذلك السر الذي فارقت به الحمار وسائر البهائم ؛ فمن ذهل عن ذلك وعطله وأهمله وقنع بدرجة البهائم ولم يجاوز المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه بتعطيلها ونسبها بالإعراض عنها ، فلا تكونوا كالذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم ، فكل من لم يعرف إلا المدرك بالحواس فقد نسي اللّه ، إذ ليس ذات اللّه مدركا في هذا العالم بالحواس الخمس ، وكل من نسي اللّه أنساه اللّه - لا محالة - نفسه ونزل إلى رتبة البهائم وترك الترقي إلى الأفق
شرح
رميهم بالحلول والزندقة ، وقد وقع كل ما ذكر لأعيان الأولياء والعلماء كما يعرف ذلك من تراجمهم في التواريخ وهم مع ذلك يصبرون على أذاهم إذا أخذ اللّه عليهم أن يعدلوا أو يقوموا بنواميس الشريعة والحقيقة والصدع بالحق والقيام للّه في أمور الدين ومصالح المسلمين وتحمل الأذى المترتب على ذلك ، إذ هم القدوة والمرجع في الأحكام وحجة اللّه على العوام ، ( وواجب أن يكون أهل المعرفة ) باللّه تعالى ( عند أهل الجهل من الكافرين ، كما يجب أن يكون المعتاض عن الجمل الكبير ) في الجسم ( جوهرة صغيرة عند الجاهلين من المبذرين المضيعين ) أموالهم في غير محالها : ( فإذا عرفت هذه الدقائق فآمن بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أنه يعطي آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات » ) كما تقدم بيان ذلك . ( وإياك أن تقتصر بتصديقك على ما يدركه البصر والحواس فقط ، فتكون حمارا برجلين لأن الحمار يشاركك في الحواس الخمس ) الظاهرة ، ( وإنما أنت مفارق للحمار بسر إلهي عرض على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منه ) وحملته أنت ، ( فإدراك ما يخرج عن عالم الحواس الخمس لا يصادف إلا في عالم ذلك السر الذي فارقت به الحمار وسائر البهائم ) وتميزت به عنهما ( فمن ذهل عن ذلك وعطله وأهمله وقنع بدرجة البهائم ولم يجاوز المحسوسات ) وهي أخس الرتب ، ( فهو الذي أهلك نفسه بتعطيلها ونسبها بالإعراض عنها ) وقد قال تعالى في كتابه العزيز :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ[ الحشرة : 19 ] فكل من لم يعرف إلا المدرك بالحواس فقد نسي اللّه ) وجهل طريق المعرفة ، ( إذ ليس ذات اللّه مدركا في هذا العالم بالحواس الخمس ، وكل من نسي اللّه أنساه اللّه لا محالة نفسه ونزل إلى رتبة البهائم ) وامتنع سلوكه ، ( وترك الترقي إلى الأفق الأعلى وخان في الأمانة التي أودعه اللّه