فالأمثل » فلا تظنن أن البلاء بلاء أيوب عليه السلام وهو الذي ينزل بالبدن ؛ فإن بلاء نوح عليه السلام أيضا من البلاء العظيم ، إذ بلي بجماعة كان لا يزيدهم دعاؤه إلى اللّه إلا فرارا ، ولذلك لما تأذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بكلام بعض الناس قال : رحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » ، فإذا لا تخلو الأنبياء عن الابتلاء بالجاحدين ، ولا تخلو الأولياء والعلماء عن الابتلاء بالجاهلين ، ولذلك قلما ينفك الأولياء عن ضروب من الإيذاء وأنواع البلاء بالإخراج من البلاد والسعاية بهم إلى السلاطين والشهادة عليهم بالكفر والخروج عن الدين ، وواجب أن يكون أهل المعرفة عند أهل الجهل من
شرح
( فلا تظنن أن البلاء بلاء أيوب عليه السلام وهو الذي ينزل بالبدن ) ، وكان عليه السلام قد ابتلى سبع سنين وأشهرا بالضر في جسده كما رواه ابن جرير عن قتادة ، ( فإن بلاء نوح عليه السلام أيضا من البلاء العظيم إذ بلى بجماعة كان لا يزيدهم دعاؤه إلى اللّه إلا فرارا ) وذلك قوله تعالى قال نوح :رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً[ نوح : 5 - 7 ] أي عن الإيمان والطاعةوَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً[ نوح : 5 - 7 ] ( ولذلك لما تأذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بكلام بعض الناس قال : « رحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » ) قال العراقي : متفق عليه من حديث ابن مسعود انتهى .
قلت : والمراد ببعض الناس رجل من المؤلفة قلوبهم ، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلم أعطى يوم حنين الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن مائة من الإبل ، وأعطى غيرهم أقل من ذلك فقال رجل : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه . فقال صلّى اللّه عليه وسلم ذلك . وقد رواه أحمد كذلك ، وتقدم في اخلاق النبوة ، ويحكى من تعنت من آمن بموسى من بني إسرائيل أن رموه بداء الأدرة واتهموه بقتل أخيه هارون لما مات معه في التيه بعد ما رأوا منه المعجزات الظاهرة بما جاء به التنزيل ، ومن سوء أخلاقهم أنه لما سلك بهم طريق البحر قالوا له : إن صحبنا لا نراهم ، فقال : سيروا فإنهم على طريق كطريقكم . قالوا : لا نرضى حتى نراهم ، فقال : اللهم أعني على أخلاقهم السيئة ففتحت لهم كوات في الماء فتراؤوا وتسامعوا إلى غير ذلك من أذاهم له عليه السلام ، وهذا القول منه صلّى اللّه عليه وسلم شفقة عليهم ونصحا في الدين لا تهديدا وتثريبا إيثار الحق اللّه على نفسه في ذلك المقام الذي هو غب الفتح وتمكن السلطان الذي يتنفس فيه المكروب وينفث المصدور ويتشفى المغيظ المحنق ويدرك ثأره المأثور .
( فإذا كما لا يخلو الأنبياء ) عليهم السلام ( عن الابتلاء بالجاحدين ) والمعاندين ( فلا يخلو الأولياء والعلماء عن الابتلاء بالجاهلين ، ولذلك قلما ينفك الأولياء ) وكذلك العلماء ( عن ضروب ) أي أنواع ( من الإيذاء وأنواع البلاء بالإخراج عن البلد ) تارة ، ( والسعاية بهم إلى السلاطين ) تارة ، ( والشهادة عليهم بالكفر ) تارة ، ( والخروج عن الدين ) تارة أي