تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
المذمة ولا تسره المدحة . وهذا قد يظنه بعض العباد بنفسه ويكون مغرورا إن لم يمتحن نفسه بعلاماته . وعلاماته أن لا يجد في نفسه استثقالا للذام عند تطويله الجلوس عنده أكثر مما يجده في المادح ، وأن لا يجد في نفسه زيادة هزة ونشاط في قضاء حوائج المادح فوق ما يجده في قضاء حاجة الذام ، وأن لا يكون انقطاع الذام عن مجلسه أهون عليه من انقطاع المادح ، وأن لا يكون موت المادح المطري له أشد نكاية في قلبه من موت الذام ، وأن لا يكون غمه بمصيبة المادح وما يناله من أعدائه أكثر مما يكون بمصيبة الذام ، وأن لا تكون زلة المادح أخف على قلبه وفي عينه من زلة الذام . فمهما خف الذام على قلبه كما خف المادح واستويا من كل وجه فقد نال هذه الرتبة وما أبعد ذلك وما أشده على القلوب ! وأكثر العباد فرحهم بمدح الناس لهم مستبطن في قلوبهم وهم لا يشعرون حيث لا يمتحنون أنفسهم بهذه العلامات ، وربما شعر العابد بميل قلبه إلى المادح دون الذام ، والشيطان يحسن له ذلك ويقول : الذام قد عصى اللّه بمذمتك ، والمادح قد أطاع اللّه بمدحك ، فكيف تسوي بينهما ؟ وإنما استثقالك للذام من الدين المحض . وهذا محض التلبيس ، فإن العابد لو تفكر علم أن في الناس من ارتكب من كبائر المعاصي أكثر مما
شرح
حد سواء فلا تغمه المذمة ولا تسره المدحة . وهذا قد يظنه بعض العباد بنفسه ) ويقول : أنا قد استوى عندي الذام والمادح ، ( ويكون مغرورا إن لم يمتحن نفسه بعلاماته . وعلاماته ) كثيرة منها : ( أن لا يجد في ) نفسه استثقالا للذام عند تطويله ( الجلوس عنده أكثر مما يجد في المادح و ) منها : ( لا يجد في نفسه زيادة هزة ونشاط في قضاء حوائج المادح فوق ما يجده في قضاء حاجة الذام ، و ) منها : ( أن يكون انقطاع الذام عن مجلسه أهون عليه من انقطاع المادح ، و ) منها : ( أن لا يكون موت المادح المطري ) أي المبالغ ( له أشد نكاية في قلبه من موت الذام ، و ) منها : ( أن لا يكون غمه بمصيبة المادح وما يناله من أعدائه أكثر مما يكون بمصيبة الذام ، و ) منها : ( أن لا يكون زلة المادح أخف على قلبه وفي عينه من زلة الذام ) . فهذه العلامات التي يمتحن بها نفسه وهي الأصول وما عدا ذلك يرجع إليها . ( فمهما خف الذام على قلبه كما خف المادح واستويا من كل وجه فقد نال هذه الرتبة ، وما أبعد ذلك وما أشده على القلوب وأكثر العباد فرحهم بمدح الناس ) لهم والثناء عليهم ( مستبطن في قلوبهم وهم لا يشعرون حيث لا يمتحنون أنفسهم بهذه العلامات ) وهو غرور عظيم . ( وربما يشعر العابد بميل قلبه إلى المادح دون الذام والشيطان يحسن له ذلك ويقول له : قد عصى اللّه بمذمتك والمادح قد أطاع اللّه بمدحتك ، فكيف تسوّي بينهما وإنما استثقالك الذام من الدين المحض . فهذا ) الذي يغره الشيطان ( محض التلبيس ) منه عليه ، ( فإن العابد لو تفكر علم أن في الناس من ارتكب من كبائر المعاصي أكثر مما ارتكبه الذام في مذمته ) له ، ( ثم أنه لا