فقيل : يا رسول اللّه : إلا من ؟ فقال : « إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا وأبغض المدحة واستحب المذمة » ، وهذا شديد جدا ، وغاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية ، وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذام والمادح ، ولا يظهر ذلك بالقول والعمل ، فأما الحالة الثالثة وهي التسوية بين المادح والذام فلسنا نطمع فيها . ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية ، فإنها لا تفي بها ، لأنها لا بدّ وأن نتسارع إلى إكرام المادح وقضاء حاجاته ، وتتثاقل على إكرام الذام والثناء عليه وقضاء حوائجه ، ولا نقدر على أن نسوي بينهما في الفعل الظاهر كما لا نقدر عليه في سريرة القلب ، ومن قدر على التسوية بين المادح والذام في ظاهر الفعل فهو جدير بأن يتخذ قدوة في هذا الزمان إن وجد فإنه الكبريت الأحمر يتحدث الناس به ولا يرى ، فكيف بما بعده من المرتبتين ؟ وكل واحد من هذه الرتب أيضا فيها درجات .
أما الدرجات في المدح ؛ فهو أن من الناس من يتمنى المدحة والثناء وانتشار الصيت ، فيتوصل إلى نيل ذلك بكل ما يمكن حتى يرائي بالعبادات ولا يبالي بمقارفة المحظورات لاستمالة قلوب الناس واستنطاق ألسنتهم بالمدح وهذا من الهالكين .
شرح
تنزهت نفسه عن الدنيا وأبغض المدحة واستحب المذمة » ) قال العراقي : لم أجده هكذا ، وذكر صاحب الفردوس من حديث أنس : « ويل لمن لبس الصوف فخالف فعله قوله » . ولم يخرجه ولده في مسنده . ( وهذا شديد جدا وغاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية ، وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذام والمادح ولا يظهر ذلك بالقول والعمل ، وأما الحالة الثالثة وهي التسوية بين المادح والذام فلسنا نطمع فيها ، ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية فما وفت لنا وإلّا ولا بدّ ) وفي بعض النسخ : فإنا لا نفي بها فإنا ولا بدّ ( أن نتسارع إلى إكرام المادح وقضاء حاجاته ، ونتثاقل عن إكرام الذام والثناء عليه وقضاء حوائجه ، ولا نقدر أن نسوّي بينهما في الفعل الظاهر كما لا نقدر عليه في سريرة القلب ، ومن قدر على التسوية بين الذام والمادح في ظاهر الفعل فهو جدير بأن يتخذ قدوة ) أي شيخا يقتدي به ( في هذا الزمان إن وجد فإنه ) عزيز جدا مثل ( الكبريت الأحمر يتحدث به ولا يرى ) فهو رابع الغول والعنقاء والخل الوفي ، ( فكيف بما بعده من الرتبتين ؟ وكل واحدة من هذه الرتب فيها درجات ) متفاوتة .
( أما الدرجات في المدح ؛ فهو أن من الناس من يتمنى المدحة والثناء وانتشار الصيت ، فيتوصل إلى نيلها بكل ممكن ) وفي نسخة بكل ما أمكن ( حتى يرائى بالعبادات ولا يبالي بمقارفة المحظورات ) أي ارتكابها ( لاستمالة قلوب الناس ) إليه ( واستنطاق ألسنتهم بالمدح ) له ( وهذا من الهالكين ) في هوّة الضلال .