إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 619
نادما عليه فقضيته أنه لا تنخرم به عدالته ولا يسمى كبيرة حينئذ وليس كذلك اتفاقا وإن كان ضابطا كما هو المنصوص عليه فهو قريب ا ه . قال لجلال البلقيني : كان العلائي فهم أن كل من يذكر حدا يدخل المنصوص وهو ممنوع ، وضابط الغزالي إنما هو لما عد المنصوص عليه فهو قريب ، وقد ذكر العلائي نفسه إن الحدود إنما هي لما عد المنصوص عليه . فصل [ من حدود الكبيرة ضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها ] ومن حدود الكبيرة : قول العز بن عبد السلام : الأولى ضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها . قال : فإذا أردت الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبيرة المنصوص عليها ، فإن نقصت عن أقل الكبائر فهي صغيرة وإلا فهي كبيرة ا ه . واعترض الأذرعي فقال : وكيف السبيل إلى الإحاطة بالكبائر المنصوص عليها حتى ينظر في أقلها مفسدة ويقيس بها مفسدة الذنب الواقع هذا متعذر ا ه . قال الجلال البلقيني : ولا تعذر في ذلك إذا جمع ما صح من الأحاديث في ذلك ، إلا أن الإحاطة بمفاسدها حتى يعلم أقلها مفسدة في غاية الندور والاستحالة إذ لا يطلع على ذلك إلا الشارع صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال ابن عبد السلام بعد ما ذكر : وكذلك من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو أمسك مسلما لمن يقتله ، فلا شك أن مفسدته أعظم من مفسدة مال اليتيم ، وكذلك لو دلّ الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ويسبون حريمهم وأطفالهم ويغنمون أموالهم ، فإن نسبة هذه المفاسد أعظم من التولي يوم الزحف بغير عذر ، وكذلك لو كذب على إنسان وهو يعلم أنه يقتل بسبب كذبه وأطال في ذلك إلى أن قال : وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو من الكبائر ، فتغيير منار الأرض أي طرقها كبيرة لاقتران اللعن به ، فعلى هذا كل ذنب يعلم أن مفسدته كمسفدة ما قارن به الوعيد أو اللعن أو الحد أو كان أكثر من مفسدته فهو كبيرة ا ه . قال ابن دقيق العيد : وعلى هذا فيشترط أن لا توجد المفسدة مجردة عما يقترن بها من أمر آخر ، فإنه قد يقع الغلط في ذلك ألا ترى أن السابق إلى الذهن في مفسدة الخمر إنما هو السكر وتشويش العقل ، فإن أخذنا بمجرده لزم أن لا يكون شرب القطرة الواحدة منه كبيرة لخلوها عن المفسدة المذكورة لكنها كبيرة لمفسدة أخرى وهو التحري عن الشرب الكثير الموقع في المفسدة ، فبهذا الاقتران يصير كبيرة .