فإن قلت : قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر والاختراع والكسب أنه صادق من وجه وهو مع صدقة قاصر وهذا تناقض ، فكيف يمكن فهم ذلك ؟ وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه ، فقالوا لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه ، فطلبوه ، فلما وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجله ووقع يد بعضهم على نابه ووقع يد بعضهم على أذنه ، فقالوا قد عرفناه فلما انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم ، فقال الذي لمس الرجل : إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنه ألين منها ، وقال الذي لمس الناب : ليس كما يقول بل هو صلب لا لين فيه وأملس لا خشونة فيه وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو مثل عمود ، وقال الذي لمس الأذن : لعمري هو لين وفيه خشونة ، فصدق أحدهما فيه ولكن قال : ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة وإنما هو مثل جلد عريض غليظ ، فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل ، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل ، ولكنهم
شرح
( فإن قلت : فقد قضيت لكل واحد من القائلين بالجبر والاختراع والكسب بأنه صادق من وجه وهو مع صدقة قاصر ) عن درجة الكمال ، ( وهذا تناقض ) كيف يكون صادقا وقاصرا ، ( فكيف يمكن فهم ذلك وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه قد حمل إلى البلدة ) التي هم فيها ( حيوان عجيب اسمه الفيل وما كانوا قط شاهدوا صورته ) من قبل ( ولا سمعوا بأسمه فقالوا : لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه ) لفقد حاسة البصر وتقوم تلك المعرفة مقام المشاهدة ، ( فطلبوه ) أي توجهوا إليه ، ( فلما وصلوا إليه لمسوه ) بأيديهم ( فوقعت بعض يد العميان على رجله ، وقعت يد بعضهم على نابه ، ووقعت يد بعضهم على أذنه فقالوا : قد عرفناه ، فلما انصرفوا ) إلى مواضعهم ( سألهم بقية العميان ) عن حقيقة الفيل ( فاختلفت أجوبتهم ، فقال الذي ) قد ( لمس الرجل : ان الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنه ألين منها . وقال الذي ) كان قد ( لمس الناب : ليس الفيل كما يقول ) هو ( بل هو صلب لا لين فيه وأملس لا خشونة فيه وليس في غلظ الأسطوانة ) أصلا بل ( هو مثل عمود . وقال الذي ) كان قد ( لمس الأذن : لعمري هو لين وفيه خشونة ، فصدق أحدهما فيه ) وهو الذي قال أنه لين ، ( ولكن ) كذب الآخر إذ ( قال ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة ، وإنما هو مثل جلد عريض غليظ ، فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل ، ولكنهم