17 ] وما قتلت إذ قتلت . ولكن اللّه قتل :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ التوبة :
14 ] وعند هذا تتحير عقول القاعدين في بحبوحة عالم الشهادة ؛ فمن قائل إنه جبر محض ، ومن قائل إنه اختراع صرف ، ومن متوسط مائل إلى أنه كسب ، ولو فتح لهم أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت لظهر لهم أن كل واحد صادق من وجه ، وأن القصور شامل لجميعهم . فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ولم يحط علمه بجوانبه ، وتمام علمه ينال بإشراق النور من كوّة نافذة إلى عالم الغيب ، وأنه تعالى عالم الغيب والشهادة لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . وقد يطلع على الشهادة من لم يدخل في حيز الارتضاء ، ومن حرك سلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب انكشف له سر القدر وعلم علما يقينا أن لا خالق إلا اللّه ولا مبدع سواه .
شرح
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )كما هو في الكتاب العزيز خطابا لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلم وفي معناه ( وما قتلت إذ قتلت ولكن اللّه قتل ) ويؤيده قوله تعالى :( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ[ التوبة : 14 ] وعند هذا تتحير عقول القاعدين في بحبوحة عالم الشهادة ) والملك ، ( فمن قائل إنه جبر محض ) أي خالص وهؤلاء هم الجبرية الخالصة يسندون فعل العبد إلى اللّه تعالى ولا يثبتون للعبد كسبأ ، ( ومن قائل أنه اختراع صرف ) من فعل العبد وهؤلاء هم القدرية ( ومن متوسط ) بين الجبر المحض والمقيد ( مائل إلى أنه كسب ) فيسندون الفعل إلى اللّه ويثبتون للعبد كسبا في الفعل ، وهؤلاء هم الأشاعرة من أهل السنة والجماعة ومن وافقهم في هذه المسألة من الماتريدية إلا أنهم سموه جزءا اختياريا وهؤلاء هم المتوسطة . ( ولو فتحت لهم أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت لظهر لهم أن كل واحد صادق ) فيما ذهب إليه ( من وجه أن القصور شامل لجميعهم ، فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ) وحقيقته ( ولم يحط علمه بجوانبه ) .وكل يدعى وصلا بليلي * وليلي لا تقرّ لهم بذاك( وتمام علمه ) إنما ( ينال بإشراف ) النور الأقدس ( من كوة نافذة إلى عالم الغيب ) فترفع الستور عن بصيرته ( وأنه تعالى عالم الغيب والشهادة لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) كما أخبر بذلك في كتابه العزيز ، ( وقد يطلع على الشهادة من لا يدخل في حيز الارتضاء ) فعدم الاطلاع مخصوص بعالم الغيب ( ومن حرك مسلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب ) أي موضع تعليقها من ناطه نوطا إذا علقه ( وانكشف له سر القدر ) المخفي ( علم علما يقينيا أن لا خالق إلا اللّه ولا مبدع سواه ) وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب العقائد .