تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
فإن قلت : أفليس للعبد إختيار في الفعل والترك ؟ قلنا : نعم وذلك لا يناقض قولنا : إن الكل من خلق اللّه تعالى ، بل الاختيار أيضا من خلق اللّه ، والعبد مضطر في الاختيار الذي له ، فإن اللّه إذا خلق اليد الصحيحة وخلق الطعام اللذيذ ، وخلق الشهوة للطعام في المعدة ، خلق العلم في القلب بأن هذا الطعام يسكن الشهوة ، وخلق الخواطر المتعارضة في أن هذا الطعام هل فيه مضرة مع أنه يسكن الشهوة ، وهل دون تناوله مانع يتعذر معه تناوله أم لا ، ثم خلق العلم بأنه لا مانع ثم عند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الإرادة الباعثة على التناول ، فانجزام الإرادة بعد تردد الخواطر المتعارضة وبعد وقوع الشهوة للطعام يسمى اختيارا ، ولا بد من حصوله عند تمام أسبابه ، فإذا حصل انجزام الإرادة بخلق اللّه تعالى إياها تحركت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام لا محالة ، إذ بعد تمام الإرادة والقدرة يكون حصول الفعل ضروريا ، فتحصل الحركة ، فتكون الحركة بخلق اللّه بعد حصول القدرة وانجزام الإرادة وهما أيضا من خلق اللّه ، وانجزام الإرادة يحصل بعد صدق الشهوة والعلم بعدم الموانع وهما أيضا من خلق اللّه تعالى ، ولكن بعض هذه المخلوقات يترتب على البعض ترتيبا جرت به سنة اللّه تعالى في خلقه :
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
شرح
( فإن قلت : أوليس للعبد اختيار في الفعل والترك ) ؟ فقد يريد فعل كل شيء فيختار تركه وبالعكس ، ( قلنا : نعم ) له ذلك ( وذلك لا يناقض قولنا : إن الكل من خلق اللّه ) وحده ( بل الاختيار أيضا من خلق اللّه ، والعبد مضطر في الاختيار الذي له فإن اللّه تعالى إذا خلق اليد الصحيحة ) السالمة من العيوب ، ( وخلق الطعام اللذيذ ) المشتهي ، ( وخلق الشهوة للطعام في المعدة ، وخلق العلم في القلب بأن هذا الطعام مسكن للشهوة ) أي شهوة الجوع ، ( وخلق الخواطر المتعارضة مع بعضها في أن هذا الطعام هل فيه مضرة ) بدنية أم لا ؟ ( مع ) علمه ( أنه يسكن الشهوة ، وهل دون تناوله مانع يتعذر معه تناوله أم لا ؟ ثم خلق اللّه العلم بأنه لا مانع ) عن تناوله ، ( ثم عند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الإرادة الباعثة على التناول ) منه ، ( فانجزام الإرادة بعد تعدد الخواطر المتعارضة وبعد وقوع الشهوة للطعام يسمى اختيارا ) والجزء الاختياري ( ولا بد من حصوله عند تمام أسبابه ) المذكورة ( فإذا حصل انجزام الإرادة بخلق اللّه تعالى إياها تحركت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام ) اللذيذ ( لا محالة ، إذا بعد تمام الإرادة والقدرة يكون حصول الفعل ضروريا فتحصل الحركة بخلق اللّه تعالى بعد حصول القدرة وانجزام الإرادة ، وهما أيضا من خلق اللّه وانجزام الإرادة يحصل بعد الشهوة ) وهو ما يختل البدن بدونه ( والعلم بعدم الموانع وهما أيضا من خلق اللّه تعالى ، ولكن بعض هذه المخلوقات يترتب على البعض ترتبا جرت به سنة اللّه تعالى في خلقهوَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًاأي تغييرا ، ( فلا يخلق اللّه تعالى حركة اليد