تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
تَوْبَةً نَصُوحاً
[ التحريم : 8 ] الآية . ومعنى النصوح الخالص للّه تعالى خاليا عن الشوائب مأخوذ من النصح ، ويدل على فضل التوبة قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
شرح
ومن وقوفكم مع شهواتكم عسى أن تظفروا ببغيتكم في المعاد ، وكي تبقوا ببقاء اللّه في نعيم لا زوال له ولا نفاد ، ولكي تفوزوا وتسعدوا بدخول الجنة وتنجوا من النار وهذا هو الفلاح ففرض في هذه الآية التوبة ، ووعد عليها عظيم المثوبة . كذا في القوت وفي البصائر لصاحب القاموس هذه الآية في سورة مدنية خاطب اللّه بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم ، ثم علق الفلاح بالتوبة تعلق المسبب بسببه وأتى بأداة « لعل » المشعرة بالترجي إيذانا . بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح فلا يرجوا الفلاح إلا التائبون . ( وقال تعالى ) في البيان الثاني من مخاطبة الخصوص( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاًالآية ) وتمامهاعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُأي بالغة في النصح وهي صفة التائب فإنه ينصح نفسه بالتوبة وصفت به على الاسناد المجازي مبالغة ، أو من النصاحة بالكسر وهي الخياطة لأنها تنصح ما خرق الذنب ، وقرىء نصوحا بالضم وهو مصدر تقديره ذات نصوح أو تنصح نصوحا أو توبوا نصوحا لأنفسكم . قال صاحب البصائر : يقال إن التوبة من طريق المعنى على ثلاثة أنواع ، ومن طريق اللفظ وسبيل اللطف على ثلاث وثلاثين درجة ، ثم قال : وأما درجات اللطف في الأولى أن اللّه أمر الخلق بالتوبة وأشار بأيها التي تليق بحال المؤمن ( وتوبوا إلى اللّه جميعا أيها المؤمنون ) الثانية لا تكون التوبة مثمرة حتى يتم أمرها ( توبوا إلى اللّه توبة نصوحا ) . ( ومعنى النصوح الخالص للّه خاليا عن الشوائب مأخوذ من النصح ) بضم فسكون فعول للمبالغة في النصح وهو الخلوص ، ومنه قولهم : نصح العسل إذا صفاه كما تقدم ، وفي القوت وقيل اشتقاقه من النصاح بالكسر وهو الخيط ، والمعنى حينئذ أي مجردة لا تتعلق بشيء ولا يتعلق بها شيء وهو الاستقامة على الطاعة من غير روغان إلى معصية كما تروغ الثعالب ، وأن لا يحدث نفسه بعود إلى ذنب متى قدر عليه وأن يترك الدنيا لأجل اللّه خالصة لوجهه كما ارتكبه لأجل هواه مجمعا عليه بقلبه ، فمتى لقي اللّه تعالى بقلب سليم من الهوى وعمل مستقيم على السنة فقد ختم اللّه له بحسن الخاتمة ، فحينئذ أدركته الحسنى السابقة وهذا هو التوبة النصوح ، وهذا العبد التواب المتطهر الحبيب . وسئل الحسن عن التوبة النصوح فقال : هي ندم بالقلب واستغفار باللسان وتزكية الجوارح وإضمار أن لا يعود ، وروي ابن أي حاتم ، وابن مردويه من حديث أبيّ بن كعب التوبة النصوح الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر اللّه ثم تعود إليه أبدا . قال القرطبي في تفسير التوبة النصوح ثلاثة وعشرون قولا . ( ويدل على فضل التوبة قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )وهو إخبار بمن سبقت له من اللّه الحسنى ووصف لمن قصده بخطابه العام والخاص ، وهذه إحدى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 562 | مرتضى الزبيدي