وخوف لا نجاة منه إلا بعد مجاوزة الصراط ، ولذلك لما ظهر الشيطان لبعض الأولياء في وقت النزع وكان قد بقي له نفس فقال : أفلت مني يا فلان ! فقال : لا . بعد . ولذلك قيل : الناس كلهم هلكى إلا العالمون ، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون ، والعاملون هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم . فإذا المغرور هالك والمخلص الفار من الغرور على خطر ، فلذلك لا يفارق الخوف والحذر قلوب أولياء اللّه أبدا . فنسأل اللّه تعالى العون والتوفيق وحسن الخاتمة فإن الأمور بخواتيمها .
تم كتاب ذم الغرور ، وبه تم ربع المهلكات ، ويتلوه في أوّل ربع المنجيات كتاب التوبة والحمد للّه أوّلا وآخرا ، وصلى اللّه وسلم على من لا نبي بعده وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم .
شرح
( ولذلك لما ظهر الشيطان لبعض الأولياء في وقت النزع وكان قد بقي له نفس فقال له ) الشيطان : ( أفلت مني يا فلان ) أي خلصت مني ؟ ( فقال ) الولي عند ذلك : ( لأبعد ) أي ما دام النفس موجودا لا أتخلص من شرك . روي ذلك عن الإمام أحمد فأحب إلى الشيطان أن يسلب المؤمن إيمانه عند النزع ، ( ولذلك قيل : الناس كلهم هلكى ) أي هالكون محجوبون بظلمات جهلهم المورث فيه للهلاك ( إلا العالمون ) فهم رفعوا تلك الحجب بنور معرفتهم باللّه تعالى ، ( والعالمون كلهم هلكى ) إذ هم محجوبون بحجب النور فيظنون أنهم قد كشف عنهم الحجاب فاغتروا فكان سبب هلاكهم ( إلا العاملون ، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ) الذين أخلصوا اللّه في سائر أحوالهم ، ( والمخلصون على خطر عظيم ) وقد روي هذا القول عن أبي محمد سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم والعمل قال : أخبرنا الحسن بن محمد بن محمد الخلال ، حدثنا محمد بن عبد اللّه الشيباني قال : سمعت عبد الكريم بن كامل يقول :
سمعت سهل بن عبد اللّه التستري يقول : الناس كلهم سكارى إلا العلماء ، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه .
وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن فضالة الحافظ أخبرنا أبو محمد الغطريفي ، حدثنا بكر بن أحمد بن سعدويه قال : قال سهل بن عبد اللّه : الدنيا جهل وموات إلا العلم ، والعلم كله حجة إلا العمل به ، والعمل كله هباء إلا الإخلاص ، والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به ، ( فإذا المغرور هالك والمخلص الفار من الغرور على خطر ، فلذلك لا يفارق الخوف والحذر قلوب أولياء اللّه أبدا ، فنسأل اللّه العون والتوفيق وحسن الخاتمة فإن الأمور بخواتيمها والسلام ) والحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، وبه تم شرح كتاب ذم الغرور ، وبه تم ربع المهلكات يتلوه ربع المنجيات . قال المؤلف رحمه اللّه تعالى : وكان الفراغ من تسويده في الثالثة من يوم الاثنين ثاني عشر جمادي الأول سنة 1200 وكتب أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني غفر اللّه له بمنه حامدا اللّه ومصليا ومسلما .