نظرها ولا يبالي بها لا يسلم من الاشتغال بإصلاحهم . نعم ربما يصلحهم ولكن يفسد نفسه بإصلاحهم فيكون كالسراج يضيء لغيره ويحترق في نفسه .
فإن قلت : فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة لحلت الدنيا عن الوعظ وخربت القلوب ؟ فأقول : قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » ولو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم وبطلت المعاش وهلكت القلوب والأبدان جميعا إلا أنه صلّى اللّه عليه وسلم علم أن حب الدنيا مهلك وأن ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم ، فلم يترك النصح وذكر ما في حب الدنيا من الخطر ، ولم يترك ذكره خوفا من أن يترك ثقة بالشهوات المهلكة التي سلطها اللّه على عباده لسوقهم بها إلى جهنم تصديقا لقوله تعالى :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ السجدة : 13 ] فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة لحب
شرح
الذئب عنها دون نظر الماشية إليه فما لم ير سائر الناس كالماشية التي لا يلتفت إلى نظرها ولا يبالي بها لا يسلم من الاشتغال باصلاحهم نعم ربما يصلحهم ولكن يفسد نفسه بإصلاحهم ، فيكون كالسراج الذي يضيء لغيره ويحترق في نفسه ) وقد روى الطبراني من حديث أبي برزة الأسلمي : مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها . وقد تقدم في كتاب العلم .
( فإن قلت : فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة خلت الدنيا عن الوعظ وخربت القلوب ) لأن عمارتها بسماع النصح والناصح بالوصف المذكور نادر الوجود . ( فأقول :
قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » ) رواه الديلمي في الفردوس من حديث علي وتبعه ولده ولم يذكره سندا . ورواه البيهقي في الحادي والسبعين من الشعب من مرسل الحسن البصري وإسناده حسن ، ويروى من قول عيسى عليه السلام كما في الحلية ومن قول مالك بن دينار كما عند ابن أبي الدنيا ، ومن قول سعد بن مسعود التجيبي كما عند ابن يونس في تاريخ مصر ومن قول جندب البجلي كما جزم به ابن تيمية ، وقد تقدم كل ذلك في كتاب ذم الدنيا ( ولو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم وبطلت المعايش ) واضمحلت الأسباب ( وهلكت القلوب والأبدان جميعا ، إلا أنه صلّى اللّه عليه وسلم علم أن حب الدنيا مهلك وأن ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم ) لها ، ( فلم يترك النصح وذكر ما في حب الدنيا من الخطر ) العظيم ، ( ولم يترك ذكره خوفا من أن يترك ثقة بالشهوات المهلكة التي سلطها اللّه تعالى على عباده ليسوقهم بها إلى جهنم تصديقا لقوله :وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )أي ممن ركن إلى الشهوات ووثق بها ولم يرفع رأسه إلى اتباع ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ( فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة لحب الرئاسة ) والجاه ( ولا يدعونها ) أي لا يتركونها ( بقول من