بعده منه استنزله ، وإذا أراد أن يخرج الحوت من أعماق البحار استخرجه ، وإذا أراد أن يستخرج الذهب أو الفضة من تحت الجبال استخرجه ، وإذا أراد أن يقتنص الوحوش المطلقة في البراري والصحاري اقتنصها ، وإذا أراد أن يستسخر السباع والفيلة وعظيم الحيوانات استسخرها ، وإذا أراد أن يأخذ الحيات والأفاعي ويعبث بها أخذها واستخرج الدرياق من أجوافها ، وإذا أراد أن يتخذ الديباج الملوّن المنقش من ورق التوت اتخذه ، وإذا أراد أن يعرف مقادير الكواكب وطولها وعرضها استخرج بدقيق الهندسة ذلك وهو مستقر على الأرض ، وكل ذلك باستنباط الحيل وإعداد الآلات ، فسخر الفرس للركوب ، والكلب للصيد ، وسخر البازي لاقتناص الطيور ، وهيأ الشبكة لاصطياد السمك إلى غير ذلك من دقائق حيل الآدمي . كل ذلك لأن همه أمر دنياه وذلك معين له على دنياه ، فلو أهمه أمر آخرته فليس عليه إلا شغل واحد وهو تقويم قلبه فعجز عن تقويم قلبه وتخاذل وقال : هذا محال ومن الذي يقدر عليه ؟ وليس ذلك بمحال ولو أصبح وهمه هذا الهم الواحد بل هو كما يقال :
شرح
استنزله ) بحيله منه ، ( وإذا أراد أن يخرج الحوت من أعماق البحار استخرجه ) بحيلة منه ، ( وإذا أراد أن يستخرج الذهب أو الفضة من تحت الجبال استخرجه ) بحيلة منه ، ( وإذا أراد أن يقتنص الوحوش المطلقة في البراري والصحاري اقتنصها ) بحيلة منه ، ( وإذا أراد أن يستسخر السباع ) الضارية ( والفيلة وعظيم الحيوانات استسخرها ) بحيلة منه ، ( وإذا أراد أن يأخذ الأفاعي والحيات ويعبث بها أخذها واستخرج الترياق من أجوافها ) كل ذلك بحيلة منه ، ( وإذا أراد أن يتخذ الديباج الملوّن المنقش من ورق التوت ) والفرصاد ( اتخذه ) فإن دود القز إنما يتربى بورق التوت ولهم في تربيته صناعات دقيقة ، ( وإذا أراد أن يعرف مقادير الكواكب وطولها وعرضها ) وكيف سيرها وقطعها الفلك ( استخرج بدقيق الهندسة ذلك وهو مستقر على الأرض ) لم يتحرك ، ( وكل ذلك باستنباط الحيل ) اللطيفة ( وإعداد الآلات ) المتنوّعة الموصلة إلى ذلك ، ( فسخر الفرس للركوب ) بالارتياض ، ( والكلب للصيد ) وللحراسة ، ( وسخر البازي لاقتناص الطيور ، وهيأ الشبكة لاصطياد السمك إلى غير ذلك من دقائق حيل الآدمي ، كل ذلك لأن همه أمر دنياه وذلك معين له على دنياه ، فلو أهمه أمر آخرته فليس عليه إلا شغل واحد وهو تقويم قلبه ) فقط وهو تسويته وتعديله وتنظيفه عن الخواطر الرديئة حتى يكون مهبطا لأنوار اللّه تعالى ، ( فعجز عن تقويم قلبه وتخاذل . وقال : هذا محال ومن الذي يقدر عليه ) جهلا منه وعنادا ، ( وليس ذلك بمحال لو أصبح وهمه هذا الهم الواحد بل هو كما يقال ) :