الأداء إلى الغير فلا قيمة له ، وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ عن فضل حضور المجلس وفضل البكاء ، وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولا عزم ، وربما يسمع كلاما مخوّفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول : يا سلام سلم ! أو نعوذ باللّه أو سبحان اللّه ! ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور ، وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع ما يجري ، أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف ، وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا ، فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من اللّه شيئا . فكل وعظ لم يغير منك صفة تغييرا يغير أفعالك حتى تقبل على اللّه تعالى إقبالا قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا ، فذلك الوعظ زيادة حجة عليك ، فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا .
فإن قلت : فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يتخلص منه أحد ولا يمكن الاحتراز منه ، وهذا يوجب اليأس إذ لا يقوى أحد من البشر على الحذر خفايا هذه الآفات ؟
فأقول : الإنسان إذا فترت همته في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر واستوعر الطريق ، وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى الحيل واستنبط بدقيق النظر خفايا الطريق في الوصول إلى الغرض حتى أن الإنسان إذا أراد أن يستنزل الطير المحلق في جوّ السماء مع
شرح
قيمة له ، وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ من فضل حضور المجلس وفضل البكاء ، وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكي وربما يسمع كلاما مخوّفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول : يا رب سلم سلم ، أو ) يقول ( نعوذ باللّه أو سبحان اللّه ) أو نحو ذلك . ( ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور ، وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع ما يجري ) فيها من المحاورات ، ( أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشبهة ثم ينصرف ، و ) معلوم ان ( ذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا ، فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من اللّه شيئا ، وكل وعظ لم يغير منك صفة تغييرا يغير أفعالك حتى تقبل على اللّه إقبالا قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا ) قلبا وقالبا ، ( فذلك الوعظ زيادة حجة عليك فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا ) .
( فإن قلت : فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يتخلص منه أحد ولا يمكن الاحتراز منه وهذا يوجب اليأس ) من إدراكه ( إذ لا يقوى أحد من البشر على الحذر من خفايا هذه الآفات ؟ فأقول : الإنسان إذا افترت همته ) أي ضعفت ( في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر ) أي عدّه عظيما ( واستوعر الطريق ) أي استصعبه ، ( وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى الحيل واستنبط بدقيق النظر خفايا الطريق في الوصول إلى الغرض حتى أن الإنسان إذا أراد أن يستنزل الطير المحلق ) أي المرتفع ( في جوّ السماء مع بعده منه