فمنهم فرقة : اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد ، وخصصوا اسم الفقه بها وسموه الفقه وعلم المذهب ، وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقد الجوارح ولم يخرسوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرجل عن المشي إلى السلاطين ، وكذا سائر الجوارح ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء وسائر المهلكات فهؤلاء مغرورون من وجهين .
أحدهما : من حيث العمل .
والآخر : من حيث العلم .
أما العمل ، فقد ذكرنا وجه الغرور فيه وأن مثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه ، لا بل مثالهم مثال من به علة البواسير والبرسام وهو مشرف على الهلاك ومحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله فاشتغل بتعلم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحاض ، ولكن يقول : ربما
شرح
( فمنهم فرقة : اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعاش ، وخصصوا اسم الفقه بها وسموه علم الفقه وعلم المذهب ، وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقدوا الجوارح ولم يحرسوا اللسان عن الغيبة ) والكذب ، ( ولا البطن عن الحرام ) والشبهة ، ( ولا الرجل عن المشي إلى السلاطين ) وأرباب الأموال : ( وكذا سائر الجوارح ولم يحرسوا قلوبهم ) عن الكبر والرياء ( والحسد وسائر المهلكات ) التي ذكرت . ( فهؤلاء مغرورون من وجهين ) .
( أحدهما : من حيث العمل ) .
( والآخر من حيث العلم ) .
( أما ) من حيث ( العمل : فقد ذكرنا وجه الغرور فيه وأن مثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه ) فلا ينفعه ذلك إلا إذا عمل بما فيها ، ( بل مثالهم مثال من به علة البواسير ) جمع باسور وهو ورم تدفعه الطبيعة إلى كل موضع في البدن يقبل الرطوبة من المقعدة والأنثيين والأشفار وغير ذلك ، فإن كان في المقعدة لم يكن حدوثه دون انفتاح العروق . ( والبرسام ) : وهو ورم للحجاب الذي بين الكبد والمعي ثم يتصل بالدماغ . قال ابن دريد : هو معرب ( وهو مشرف على الهلاك ومحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله ، فاشتغل بتعليم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحاض ،