فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ ، مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] فالأكياس هم الذين أراد اللّه أن يهديهم ، فشرح صدورهم للإسلام والهدى ، والمغترون هم الذين أراد اللّه أن يضلهم فجعل صدرهم ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء .
والمغرور هو الذي لم تنفتح بصيرته ليكون بهداية نفسه كفيلا وبقي في العمى فاتخذ
شرح
ولا غريبة لتجردها عن اللواحق الجسمية والقوّة القدسية كالزيت لصفائها وشدة ذكائها ، تكاد تضئ بالمعارف من غير تعليم ، وقد أوسع الكلام على هذا المقام المصنف في كتابه مشكاة الأنوار وتقدم شيء من ذلك في كتاب عجائب القلب .
( والمغترون ) بأعمالهم التي يحسبون أنها صالحة نافعة عند اللّه فإذا هي لاغية عند اللّه في العاقبة ، فهؤلاء ( قلوبهم ) خالية عن نور الحق( كَظُلُماتٍ )متراكمة( فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ )أي عميق( يَغْشاهُ )أي البحر( مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ )أي أمواج مترادفة( مِنْ فَوْقِهِ )أي الموج الثاني( سَحابٌ )غطى النجوم وحجب أنوارها( ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ )وهي أقرب ما ترى إليه .( لَمْ يَكَدْ يَراها )أي لم يقرب أن يراها فضلا أن يراها( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً )أي من لم يقدر له الهداية ولم يوفقه لأسبابها( فَما لَهُ مِنْ نُورٍ )بخلاف الموفق الذي هو نور ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آخر كتاب عجائب القلب .
( والأكياس هم الذين أراد اللّه أن يهديهم ) أي يعرفهم طريق الحق ويوفقهم لأسباب الهداية ، ( فشرح صدورهم للإسلام والهدى ) أي اتسعت وانفسحت لقبولهما وهو كناية في جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه ، وإليه أشار صلّى اللّه عليه وسلم حين سئل عنه فقال : « نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح » فقالوا : هل لذلك من أمارة نعرف بها ؟ فقال :
« نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله » .
( والمغترون هم الذين أراد اللّه أن يضلهم فجعل صدورهم ضيقة حرجة ) . أي شديدة الضيق بحيث تنبو عن قبول الحق فلا يدخلها الإيمان ( كأنما يصعد في السماء ) شبه مبالغة في ضيق صدورهم بمن يزلزل ما لا يقدر عليه ، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة وتنبيه على أن الإيمان يمتنع عنها كما يمتنع صفة الصعود ، وقد أشار بذلك إلى قوله عز وجل :فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ[ الأنعام : 125 ]
( والمغرور هو الذي لم تنفتح بصيرته ) أي عين بصيرته ( ليكون بهداية نفسه كفيلا ) أي متكفلا لضبطها ومراعاتها ( وبقي في العمى ) أي ظلمة جهله ( فاتخذ الهوى قائدا ) يقوده