أوليائه من الظلمات إلى النور ، ومورد أعدائه ورطات الغرور ، والصلاة على محمد مخرج الخلائق من الديجور ، وعلى آله وأصحابه الذين لم تغرهم الحياة الدنيا ولم يغرهم باللّه الغرور ، صلاة تتوالى على ممر الدهور ، ومكرّ الساعات والشهور .
أما بعد ؛ فمفتاح السعادة التيقظ والفطنة ، ومنع الشقاوة الغرور والغفلة فلا نعمة للّه
شرح
تعالى :لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الزمر : 63 ] فقال : أي مفاتيحها . وقال السري : أي خزائنها ، فهذا قد فسر المقاليد بالخزائن . ويؤيده قوله تعالى :وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ المنافقون : 70 ] وأحسن ما فسر القرآن بالقرآن وشاهد الإقليد قول تبع :واقنابه من الدهر سبتا * وجعلنا لبابه إقليدا( وبقدرته مفاتيح الخيرات والشرور ) فما من خير أو شر إلا مفاتيحه في قبضة قدرته وحيطة قهره ، إذ هو القادر المطلق أي لا يملكها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره ، وهو كناية عن كمال قدرته وحفظه للأمور . وفي الجملتين مزيد دلالة على الإختصاص ، لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتيحها ، ( مخرج أوليائه ) بهدايته وتوفيقه ( من الظلمات ) ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية إلى الكفر ( إلى النور ) أي الهدى الموصل للإيمان ، ( ومورد أعدائه ) ممن ثبت في علمه أنه لا يؤمن ( ورطات الغرور ) والشبهات ، وذلك لفساد استعدادهم وأنهماكهم في الشهوات . وأصل الغرور الغفلة وسكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع ، ( والصلاة على ) سيدنا ( محمد مخرج الخلائق من الديجور ) أي من ظلمة الشكوك والشبهات إلى نور اليقين والبينات ، وأصل الديجور ظلمة الليل وشدة سواده ، والجمع دياجير ويستعار لظلمات الكفر والجحود وفساد العقائد ، ( وعلى آله وأصحابه الذين لم تغرهم الحياة الدنيا ) أي لم تأخذهم غرة بالكسر وهي الخصلة التي يغتر بها ظاهرها حسن ومآلها قبيح ، ( ولم يغرهم باللّه الغرور ) كصبور كل ما يغرك من مال وجاه وشهوة وشيطان ، وقد فسّر بالشيطان وبالدنيا لأنها تغر وتضر وتمر ، فأما الشيطان فهو أقوى الغاوين وأخبثهم وإغراره بالإنسان بأن يرقبه التوبة والمغفرة فيجسره على المعاصي ، ( صلاة تتوالى ) أي تتضاعف وتتكرر ( على ممرّ الدهور ) على مرور أزمان بعد أزمان بحيث لا تنقطع ، ( ومكر الساعات والشهور ) والمكر بمعنى الممر أي مرور كل ساعة من الساعات في ضمن الأيام والليالي من الشهور الكارة .
( أما بعد ؛ فمفتاح السعادة ) التي هي معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ( التيقظ ) أي الانتباه ( والفطنة ) وهي سرعة هجوم النفس على حقائق معاني ما تورده الحواس عليها ، ( ومنبع الشقاوة ) وهي ضد السعادة ومنبع كل شيء أصله ( الغرور والغفلة ) تقدم معنى الغرور قريبا . والغفلة عبارة عن فقد الشعور بما حقه أن يشعر به أو هي الذهول عن الشيء ، وقال بعضهم : هي سهو يعتري عن قلة التحفظ والتيقظ ، وقيل : بل هي متابعة النفس على ما تشتهيه