تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
فإن هذه القوى آلة للوصول بها إلى حقيقة كمال العلم ، وقد يحتاج في استيفاء هذه القوى إلى القدرة بالمال والجاه للتوصل به إلى المطعم والمشرب والملبس والمسكن ، وذلك إلى قدر معلوم ، فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة جلال اللّه فلا خير فيه البتة إلا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب ، ومن ظن ذلك كمالا فقد جهل ، فالخلق أكثرهم هالكون في غمرة هذا الجهل ، فإنّهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة ، وعلى أعيان الأموال بسعة الغنى ، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال فلما اعتقدوا ذلك أحبوه ولما أحبوه طلبوه ولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من اللّه تعالى ومن ملائكته وهو العلم والحرية . أما العلم ؛ فما ذكرناه من معرفة اللّه تعالى . وأما الحرية ؛ فالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبها بالملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب ، فإن دفع آثار الشهوة والغضب عن النفس من الكمال الذي هو من صفات الملائكة . ومن صفات الكمال للّه تعالى استحالة التغير والتأثر عليه فمن كان عن التغير والتأثر بالعوارض أبعد كان إلى اللّه
شرح
هذه القوى آلة له يتوصل بها إلى حقيقة كمال العلم ) فيكون كماله بهذه الإضافة ، ( وقد يحتاج في استبقاء هذه القوى إلى القدرة بالمال وبالجاه للتوصل به إلى المطعم والمشرب والملبس والمسكن وذلك إلى قدر معلوم ) وحد محدود ، ( فإن لم يستعمله في الوصول إلى معرفة اللّه فلا خير فيه البتة إلا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب ) ويمحو أثرها ، ( ومن ظن ذلك كمالا فقد جهل ) وأخطأ طريق الصواب . ( والخلق كلهم هالكون في غمرة هذا الجهل ، فإنهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة ، وعلى أعيان الأموال بسعة الغنى ، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال ) وقد وطنوا أنفسهم بذلك الظن . ( فلما اعتقدوا ذلك أحبوه ) ومالوا إليه ، ( ولما أحبوه طلبوه ، ولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من اللّه تعالى ومن ملائكته ) المقربين عنده ، ( وهو العلم والحرية ) . ( أما العلم : فما ذكرناه من معرفة اللّه تعالى ) وأنها أشرف المعلومات مطلقا . ( وأما الحرية : فالخلاص من أسر الشهوة وغموم الدنيا ) وأحزانها ، ( والاستيلاء عليها بالقهر تشبها بالملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب ، فإذا رفع أثر الغضب والشهوة عن النفس من الكمال الذي هو من صفات الملائكة ومن صفات الكمال للّه سبحانه استحالة التغير والتأثر عليه ، فمن كان عن التأثر والتغير بالعوارض أبعد كان