القلوب والأبدان تنقطع بالموت ، ومعرفته وحريته لا ينعدمان بالموت بل يبقيان كمالا فيه ووسيلة إلى القرب من اللّه تعالى . فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبوا على وجوههم انكباب العميان فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالجاه والمال وهو الكمال الذي لا يسلم وإن سلم فلا بقاء له ، وأعرضوا عن كمال الحرية والعلم الذي إذا حصل كان أبديا لا انقطاع له ، وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى :
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا
[ الكهف : 46 ] فالعلم والحرية هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا في النفس ، والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله اللّه تعالى حيث قال :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
[ يونس : 24 ] الآية . وقال تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
إلى قوله :
فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
[ الكهف : 45 ] وكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا ، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات . فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال ظني
شرح
استسخار القلوب ) بحسن الاعتقاد ( والأبدان ) بالقهر أو بالإحسان ( تنقطع بالموت ، ومعرفته وحريته لا ينعدمان بالموت بل يبقيان كمالا فيه ووسيلة إلى القرب من اللّه تعالى .
فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبوا على وجوههم انكباب العميان ) الذين سلبوا أبصارهم ( فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالجاه والمال وهو الكمال الذي لا يسلم وإن سلم فلا بقاء له ) بل ينعدم قريبا ، ( وأعرضوا عن كمال الحرية والعلم الذي إذا حصل كان أبديا ) ثابتا ( لا انقطاع له ، وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) أي لا ينظر إليهم نظر رحمة أو لا ينظر إليهم أصلا لحقارتهم ، ( وهم الذين لم يفقهوا ) وفي نسخة لم يفهموا ( قول اللّه تعالى :الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً ) وَخَيْرٌ أَمَلًا( فالعلم والحرية هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا في النفس ) تهيئها للقرب من الملأ الأعلى ، ( والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثل اللّه تعالى حيث قال :إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِالآية . وقال تعالىوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ( إلى قوله : )فَأَصْبَحَ هَشِيماًأي يابسا متحطما( تَذْرُوهُ الرِّياحُفكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا ، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات ، فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال كمال ظني ) وهمي