تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
فإن قلت : فإن صح هذا فينبغي أن يكون للعالم أن يرى نفسه فوق العابد لقوله عليه السلام : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » . فاعلم أن ذلك كان ممكنا لو علم العالم عاقبة أمره ، وخاتمة الأمر مشكوك فيها ، فيحتمل أن يموت بحيث يكون حاله عند اللّه أشد من حال الجاهل الفاسق لذنب واحد كان يحسبه هينا وهو عند اللّه عظيم وقد مقته به ، وإذا كان هذا ممكنا كان على نفسه خائفا فإذا كان كل واحد من العابد والعالم خائفا على نفسه وقد كلف أمر نفسه لا أمر غيره ، فينبغي أن يكون الغالب عليه في حق نفسه الخوف وفي حق غيره الرجاء ، وذلك يمنعه من التكبر بكل حال . فهذا حال العابد مع العالم ، فأما مع غير العالم فهم منقسمون في حقه إلى مستورين وإلى مكشوفين ، فينبغي أن لا يتكبر على المستور فلعله أقل منه ذنوبا وأكثر منه عبادة وأشد منه حبا للّه ، وأما المكشوف حاله إن لم يظهر لك من الذنوب إلا ما تزيد عليه ذنوبك في طول عمرك . فلا ينبغي أن تتكبر عليه ، ولا يمكن أن تقول هو أكثر مني ذنبا ، لأن عدد ذنوبك في طول عمرك وذنوب غيرك في طول العمر لا تقدر على إحصائها حتى تعلم الكثرة . نعم يمكن أن تعلم أن ذنوبه أشد كما لو رأيت منه القتل والشرب والزنا ، ومع ذلك فلا ينبغي أن تتكبر عليه إذ ذنوب القلوب من الكبر والحسد
شرح
( فإن قلت : فإن صح هذا فينبغي أن يكون للعالم أن يرى نفسه فوق العابد لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » فاعلم أن ذلك كان ممكنا لو علم العالم عاقبة أمره وخاتمة الأمر مشكوك فيها ) غير معلومة لأحد ، ( فيحتمل أن يموت بحيث أن يكون حاله عند اللّه أشد من حال الجاهل الفاسق بذنب واحد كان يحسبه هينا وهو عند اللّه عظيم وقد مقته به ) وأبغضه بسببه ، ( وإذا كان هذا ممكنا كان على نفسه خائفا فإذا كل واحد من العالم والعابد خائف على نفسه وقد كلف أمر نفسه لا أمر غيره ، فيكون الغالب عليه في حق نفسه الخوف وفي حق غيره الرجاء ، وذلك يمنعه من الكبر بكل حال . فهذا حال العابد مع العالم ، فأما مع غير العالم فينقسمون في حقه إلى مستورين وإلى مكشوفين ، فينبغي أن لا يتكبر على المستور ) الذي لم يجاهر بمعصيته ( فلعله أقل منه ذنوبا وأكثر منه عبادة وأشد منه حبا للّه ، وأما المكشوف حاله ) عند الناس ( إن لم يظهر لك من الذنوب إلا ما تزيد عليه ذنوبك في طول عمرك فلا ينبغي أن تتكبر عليه ، ولا يمكن ) لك ( أن تقول هذا أكثر مني ذنبا ، لأن عدد ذنوبك وذنوب غيرك في طول العمر لا تقدر على إحصائها حتى تعلم الكثرة ) فيها . ( نعم يمكن أن يعلم أن ذنوبه أشد كما لو رأيت منه القتل والشرب والزنا ) وغيرها من الكبائر ، ( ومع ذلك فلا ينبغي أن تتكبر عليه إذ ذنوب القلب من الكبر والحسد والرياء والغل واعتقاد الباطل والوسوسة في صفات اللّه