قال ذلك لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق اللّه مغتر باللّه آمن من مكره غير خائف من سطوته ، وكيف لا يخاف ؟ ويكفيه شرا احتقاره لغيره . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « كفى بالمرء شرا أن يحقر أخاه المسلم » ، وكم من الفرق بينه وبين من يحبه للّه ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجوه لنفسه ، فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه للّه ، فهم يتقربون إلى اللّه تعالى بالدنو منه وهو يتمقت إلى اللّه بالتنزه والتباعد منهم ، كأنه مترفع عن مجالستهم ، فما أجدرهم إذا أحبوه لصلاحه أن ينقلهم اللّه إلى درجته في العمل ! وما أجدره إذا ازدراهم بعينه أن ينقله اللّه إلى حد الإهمال ! كما روي أن رجلا في بني إسرائيل كان يقال له : خليع بني إسرائيل - لكثرة فساده - ومر برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل ، وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به فقال الخليع في نفسه :
أنا خليع بني إسرائيل هذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل اللّه يرحمني ! فجلس إليه فقال العابد : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلي ؟
فأنف منه وقال له : قم عني ! فأوحى اللّه إلى نبي ذلك الزمان : مر هما فليستأنفا العمل فقد
شرح
( وإنما قال ) صلّى اللّه عليه وسلم ( ذلك لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق اللّه ) مستحقر لهم مستصغر لشأنهم ( مغتر باللّه ) معجب بنفسه تائه بعمله وعبادته ( آمن من مكره غير خائف من سطوته ، وكيف لا يخاف ) من سطوة اللّه ؟ ( ويكفيه شرا احتقاره لغيره . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « كفى بالمرء شرا أن يحقر أخاه المسلم » قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ « بحسب امرئ من الشر » انتهى . قلت : وكذلك رواه ابن ماجة .
( وكم من الفرق بينه وبين من يحبه للّه ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجوه لنفسه ، فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه للّه فهم يتقربون إلى اللّه بالدنو منه ، وهو يتمقت إلى اللّه بالتنزه والتباعد منهم كأنه مترفع عن مجالستهم فما أجدرهم إذا أحبوه لصلاحه ) وورعه ( أن ينقلهم اللّه إلى درجته في العمل وما أجدره إذا ازدراهم ) أي احتقرهم ( بعينه أن ينقله اللّه إلى حدّ الاهمال ) فلا يبالي به في أي أودية هلك ، ( كما روي أن رجلا من بني إسرائيل كان يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده ) كأنه خلع عذاره ( مرّ برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل لكثرة عبادته ) للّه تعالى وكل منهما اشتهر بوصف هو قائم به ، ( وكان على رأس العابد غمامة تظله ) أكرمه اللّه بها ( لما مر الخليع به ، فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل ) وفاجرهم ، ( وهذا عابد بني إسرائيل ) وصالحهم ( فلو جلست إليه لعل اللّه يرحمني ) ببركة جلوسي إليه ، ( فجلس إليه فقال العابد : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل ، فكيف يجلس إلي ؟ فأنف منه ) ولم يحب تقربه إليه ( وقال له : قم عني ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبي ذلك الزمان : مر هما ) أي العابد والخليع ( فليستأنفا