أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه لا يطؤها ولا يشاهد أصحابها ، ليعظموه أو ليبروه بمال أو ليعينوه على غرض من أغراضه ، ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبع ، ويكاد يظن أن ذلك جهل فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة ؟ فنقول : نعم هذا الحب لا تنفك عنه القلوب . وله سببان ؟ أحدهما : جليّ تدركه الكافة . والآخر : خفيّ وهو أعظم السببين ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن إفهام الأذكياء فضلا عن الأغبياء ، وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس وطبيعة مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغوّاصون .
فأما السبب الأوّل ! فهو دفع ألم الخوف ، لأن الشفيق بسوء الظن مولع ، والإنسان وإن كان مكفيا في الحال فإنه طويل الأمل ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره ، فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة ، فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة يقدر طول الحياة ؛ ويقدر هجوم الحاجات ؛ ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ، ويستشعر الخوف من ذلك فيطلب ما يدفع خوفه وهو كثرة
شرح
ذكره قريبا . ( وكذلك يحب الانسان اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه قط لا يطؤها ) ولا يراها ( ولا يشاهد أصحابها ، ليعظموه أو ليبروه بمالهم أو ليعينوه على غرض من أغراضه ، ومع اليأس من ذلك ، فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبع ) مركوز فيه ، ( ويكاد يظن أن ذلك جهل فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة ؟ فنقول : نعم هذا الحب لا تنفك عنه القلوب وله سببان : أحدهما :
جلي ) ظاهر ( يدركه الكافة ) من الناس ، ( والآخر خفي وهو أعظم السببين ، ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن أفهام الأذكياء ) النجباء ، ( فضلا عن الأغبياء ) البلداء ، ( وذلك لاستمداده من عرق خفي ) دساس ( في النفس وطبيعة مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغوّاصون ) في بحار الحقائق .
( فأما السبب الأول ) الجلي : ( فهو دفع ألم الخوف لأن الشفيق ) على نفسه أي الخائف ( بسوء الظن مولع ) أي أبدا يسيء طنه ، ( والانسان وإن كان مكفيا في الحال ) عنده ما يكفيه ( فإنه طويل الامل ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره ، فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ولا يدفع ألم الخوف من قلبه إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة ) أي آفة ، ( فهو أبدا لشفقته على نفسه ) أي خوفها عليها ( وحبه للحياة يقدر طول الحياة ، ويقدر هجوم الحاجات ) أي طروقها فجأة ، ( ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ، ويستشعر الخوف