الجاه لم يتيسر له ، فإذا الجاه آلة ووسيلة إلى المال ، فمن ملك الجاه فقد ملك المال ، ومن ملك المال لم يملك الجاه بكل حال ، فلذلك صار الجاه أحب .
الثاني : هو أن المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرق ويغصب ويطمع فيه الملوك والظلمة ، ويحتاج فيه إلى الحفظة والحراس والخزائن ، ويتطرق إليه أخطار كثيرة ، وأما القلوب إذا ملكت فلا تتعرض لهذه الآفات فهي على التحقيق خزائن عتيدة ، لا يقدر عليها السراق ولا تتناولها أيدي النهاب والغصاب ، وأثبت الأموال العقار ولا يؤمن فيه الغصب والظلم ولا يستغنى عن المراقبة والحفظ ، وأما خزائن القلوب فهي محفوظة محروسة بأنفسها ، وذو الجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها . نعم إنما تغصب القلوب بالتصريف وتقبيح الحال وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال ، وذلك مما يهون دفعه ولا يتيسر على محاولة فعله .
الثالث : أن ملك القلوب يسري وينمي ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومقاساة ، فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الألسنة
شرح
الجاه لم يتيسر له ، فإذا الجاه آلة ووسيلة للمال ، فمن ملك الجاه فقد ملك المال ، ومن ملك المال لم يملك الجاه بكل حال ، فلذلك صار الجاه أحب ) ولذلك أوصى الحكماء باتخاذ الجاه دون المال .
( الثاني : هو أن المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرق ) وينتهب ( ويغصب ) ويختلس ( ويطمع فيه الملوك والظلمة ) المتسلطون ، ( وتحتاج فيه إلى الحفظة والحراس ) يحفظونه ويحرسونه من السراق ( و ) يحتاج فيه أيضا إلى ( الخزائن ) والصناديق ، ( وتتطرق إليه أخطار كثيرة ) ومصائب جمة ( وأما القلوب إذا ملكت لم تتعرض لهذه الآفات ، فهي على التحقيق خزائن عتيدة ) محفوظة ( لا يقدر عليها السراق ولا يتناولها أيدي الغصاب ) والظلمة الجائرين ، ( وأثبت الأموال العقار ولا يؤمن فيه الغصب والظلم ) كما هو مشاهد ( ولا يستغنى عن المراقبة والحفظ ، وأما خزائن القلوب فهي محفوظة محروسة بأنفسها ) لا تحتاج إلى المراقبة ، ( وذو الجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها . نعم إنما تغصب القلوب بالتصريف ) أي بالإفساد ( وتقبيح الحال وتغيير الإعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال ، وذلك مما يهون دفعه ولا يتيسر على محاولة فعله .
( الثالث : أن ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ) ومشقة ( ومقاساة ) أهوال ، ( فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقد كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الألسنة لا محالة بما فيها ، فيصف ما يعتقده لغيره ويقتنص ذلك القلب أيضا له )