يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس ، قال : ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت على الجسر ، فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر قال : فجعلت أنظر إليه وأتأمله فقال لي : ما لك تنظر إليّ ؟ فقلت له : شبهتك برجل رأيته بمكة ووصفت له الصفة ، فقال له :
أنا ذلك الرجل ، فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني اللّه حيث يترفع الناس . وقال المغيرة : كنا نهاب إبراهيم النخعي هيبة الأمير وكان يقول : إن زمانا صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء . وكان عطاء السلمي
شرح
بغلة وبين يديه غلمان ، وإذا هم يعنفون الناس ويطردونهم من بين يديه لأجله قال : ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت على الجسر ) الذي على نهر دجلة الفارق بين الشرقية والغربية ، وإليه الإشارة بقول الشاعر :عيون المهابين الرصافة والجسر * سلبن النهى من حيث تدري ولا تدري( فإذا أنا برجل خاف ) الرجل ( حاسر ) الرأس ( طويل الشعر ) أشعث يسأل الناس :
( فجعلت انظر إليه ) متعجبا من حاله ( فقال لي : مالك تنظر إليّ ؟ فقلت له : شبهتك برجل رأيته بمكة ووصفت له الصفة . فقال : أنا ذلك الرجل . فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : إني ترفعت ) أي تكبرت ( في موضع تتواضع فيه الناس فوضعني اللّه حيث يرفع الناس ) يعني في بغداد حيث نقم عليه الخليفة لما وصل إليه وسلبه جميع ما هو فيه وصار فقيرا يسأل الناس أورده القشيري في الرسالة مختصرا بلفظ وقال بعضهم : رأيت في الطواف انسانا بين يديه شاكريه يمنعون الناس لأجله عند الطواف ، ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل الناس شيئا فعجبت منه فقال : أنا تكبرت في موضع تتواضع الناس هناك فابتلاني اللّه سبحانه بالتذلل في موضع يترفع فيه الناس ا ه .
ويحكى أن الملك الأشرف قايتباي سنة حجه دخل باب السلام راكبا على هنية والأمراء بين يديه ولم يتجاسر أحد أن يقول له انزل عن الفرس مهابة له ، فبينما هو كذلك إذ زلقت رجل الفرس فوقع السلطان على الأرض وسقطت عمامته ، فلم يتناول العمامة ولم يضعها على رأسه ودخل الحرم وهو مكشوف الرأس متذللا متواضعا لأنه تنبه على إساءة أدبه في دخوله راكبا ، فتواضع وطاف هكذا حاسر الرأس ، وعدّ ذلك في مناقبه رحمه اللّه تعالى .
( وقال المغيرة ) بن مسلم الضبي مولاهم أبو هاشم الكوفي ثقة متقن مات سنة ست وثلاثين روى له الجماعة : ( كنا نهاب إبراهيم ) بن يزيد ( النخعي هيبة الأمير ) لجلالة قدره ، ( وكان إبراهيم ) مع ذلك ( يقول : إن زمانا صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء ) وهذا من باب التواضع وهضم النفس ، قال العجلي : كان النخعي رجلا صالحا فقيها متوقيا قليل التكلف ، وكان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمانهما . ( وكان عطاء السليمي ) بفتح السين وكسر اللام ويقال