تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
ما التواضع ؟ التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلما ألا رأيت له عليك فضلا وقال مجاهد : إن اللّه تعالى لما أغرق قوم نوح عليه السلام شمخت الجبال وتطاولت وتواضع الجودي فرفعه اللّه فوق الجبال وجعل قرار السفينة عليه ، وقال أبو سليمان إن اللّه عز وجل اطلع على قلوب الآدميين فلم يجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى عليه السلام فخصه من بينهم بالكلام . وقال يونس بن عبيد وقد انصرف من عرفات : لم أشك في الرحمة لولا أني كنت معهم أني أخشى انهم حرموا بسببي . ويقال : أرفع ما يكون المؤمن
شرح
( يتذاكرون التواضع ) واختلف قولهم فيه ( فقال لهم الحسن : أتدرون ما التواضع ؟ التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلما إلا رأيت له عليك فضلا ) أي لا ترى لنفسك معه حالا أو مقاما أو قيمة . ( وقال مجاهد ) رحمه اللّه تعالى : ( لما أغرق قوم نوح ) عليه السلام ( شمخت الجبال وتطاولت ) أي ارتفعت ، ( وتواضع الجودي ) أي تطامن إلى الأرض وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل ( فرفعه اللّه فوق الجبال ) لتواضعه ( وجعل قرار السفينة عليه ) وذلك فيما قال اللّه تعالى في كتابهوَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ[ هود : 44 ] أي وقفت والجودي لما لم ير نفسه أهلا لحلول النبي والمؤمنين عليه أعطاه اللّه تلك المنزلة نقله القشيري في الرسالة . قلت : أخرجه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن مجاهد قال : الجودي جبل بالجزيرة تشامخت الجبال يومئذ من الغرق فتطاولت وتواضع هو للّه فلم يغرق ورست عليه السفينة . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء قال : بلغني أن الجبال تشامخت في السماء إلا الجودي فعرف أن أمر اللّه سيدركه فسكن ا ه . وفيه دلالة علي جواز خلق الحركات في الجمادات . ونقل القشيري أيضا عن الفضيل بن عياض قال : أوحى اللّه إلى الجبال أني مكلم على واحد منكم نبيا فتطاولت الجبال وتواضع طور سيناء فكلم اللّه سبحانه عليه موسى لتواضعه ا ه . وأنشد الشيخ سعد الدين الشيرازي :أقلّ جبال الأرض طور وأنه * لأعظم عند اللّه قدرا ومنزلا( وقال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( إن اللّه عز وجل اطلع إلى قلوب الآدميين ) أي نظر إليها ( فلم يجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى عليه السلام فخصّه منهم بالكلام ) فما ميّزه تعالى على أمته وخصه بكلامه إلا لما خص به من كمال تواضعه . رواه القشيري عن وهب بن منبه بلفظ وقال وهب ، مكتوب في بعض ما أنزل اللّه من الكتب أني أخرجت الذر من صلب آدم فلم أجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى فلذلك اصطفيته وكلمته . ( قال يونس بن عبيد ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( وقد انصرف ) راجعا ( من عرفات لم أشك في الرحمة ) أي في أن اللّه تعالى رحمهم وغفر ذنوبهم ( لولا أني كنت معهم أني لأخشى انهم حرموا بسببي ) أي بسبب ذنونبي وهذا من مقام الخائفين . وروى أبو نعيم في الحلية ، والقشيري في الرسالة من طريق شعيب