يقنع بعلم اللّه إلا من لا يخاف إلا اللّه ولا يرجو إلا اللّه ، فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله ، فإن كان في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض للمقت ، وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره ، فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء وتقول : مثل هذا العمل العظيم أو الخوف العظيم أو البكاء العظيم لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك ! فما في الخلق من يقدر على مثله ، فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلك وينكرون قدرك ويحرمون الاقتداء بك ؟ ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه ، ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة ونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد ، وعظم غضب اللّه ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ، ويعلم أن إظهاره لغيره محبب إليه وسقوط عند اللّه وإحباط للعمل العظيم فيقول : وكيف أتبع مثل هذا العمل بحمد الخلق وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق ولا أجل ؟ فيلزم ذلك قلبه ولا ينبغي أن ييأس عنه فيقول : إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء ، فأما المخلطون فليس ذلك من
شرح
جميع طاعاته وما يتقرب به إليه ، ولا يقنع بعلم اللّه إلا من لا يخاف إلا اللّه ولا يرجو إلا اللّه ، فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله ) الباطنة والظاهرة ، ( فإن كان ) المريد ( في هذه المرتبة فليلزم قلبه كراهته ذلك ) أي يحبسه به ويجعل الكراهة كالزمام وفي نسخة فيلزم ( من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض للمقت ) والسقوط من عين اللّه تعالى ، ( وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره ، فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء ) والإظهار ( وتقول : مثل هذا العمل العظيم ) الشاق ( والخوف العظيم والبلاء العظيم لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك ) تعظيما لمقامك ! ( فما في الخلق من يقدر على مثله ، فكيف ترضى بإخفائه ) وكتمه ( فيجهل الناس محلك ) ومنزلتك ( وينكرون قدرك ويحرمون الاقتداء بك ؛ ففي مثل هذا الأمر ) إذا عرض له ( ينبغي أن يثبت قدمه ، ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة ونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد ) وما أعد اللّه فيها للعاملين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ( و ) يتذكر أيضا ( عظم غضب اللّه ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ، ويعلم أن إظهاره لغيره تحبب إليه وسقوط عند اللّه ) من عين رحمته ، ( واحباط العمل العظيم فيقول : وكيف أتبع مثل هذا العمل بحمد الخلق ) وثنائهم ( وهم عاجزون ) في أنفسهم ( لا يقدرون لي على رزق ولا أجل ؟ فيلزم ذلك قلبه ) ويرده عليه ، ( ولا ينبغي أن ييأس عنه فيقول : إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء ) من الناس ، ( فأما المخلطون فليس ذلك من شأنهم فيترك المجاهدة في الإخلاص ) رأسا ( لأن المخلط إلى