أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها » . وقال أبو بكر رضي اللّه عنه لرافع بن عمر : لا تأمر على اثنين . ثم ولي هو الخلافة فقام بها فقال له رافع : ألم تقل لي لا تأمر على اثنين وأنت قد وليت أمر أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : بلى . وأنا أقول لك ذلك فمن لم يعدل فيها فعليه بهلة اللّه ، أي لعنة اللّه . ولعل القليل البصيرة يرى ما ورد من فضل الإمارة مع ما ورد من النهي عنها متناقضا وليس كذلك ، بل الحق فيه أن الخواص الأقوياء في الدين لا ينبغي أن يمتنعوا من تقلد الولايات ، وأن الضعفاء لا ينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا ، وأعني بالقوي الذي لا تميله الدنيا ولا يستفزه الطمع ولا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وهم الذين سقط الخلق عن أعينهم وزهدوا في الدنيا وتبرموا بها وبمخالطة الخلق وقهروا أنفسهم وملكوها وقمعوا الشيطان فأيس منهم ،
شرح
صلّى اللّه عليه وسلم : « يا عبد الرحمن ) بن سمرة ( لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها » ) رواه أحمد ، وابن أبي شيبة والشيخان ، وأبو داود ، والترمذي بزيادة : « وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير » . ورواه ابن عساكر بلفظ : « لا تسأل الإمارة فإنه من سألها وكل إليها من ابتلى إليها ولم يسألها أعين عليها » .
( وقال أبو بكر ) رضي اللّه عنه ( لرافع بن عمر ) الطائي : ( لا تأمر على اثنين ثم ولي هو الخلافة فقال له رافع : ألم تقل لي لا تأمر على اثنين وأنت قد وليت أمر أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؟
فقال : بلى ، وأنا أقول لك ذلك فمن لم يعدل فيها فعليه بهلة اللّه أي لعنة اللّه ) روى ابن المبارك في الزهد عن رافع الطائي قال : صحبت أبا بكر في غزاة ، فلما قفلنا قلت : أوصني . قال : أتم الصلاة المكتوبة فساق الحديث وفيه : ولا تكونن أميرا ، ثم قال إن هذه الإمارة التي ترى اليوم يسير وقد أوشك أن تفشو وتكثر حتى ينالها من ليس لها بأهل ، وأنه من يكن أميرا فإنه من أطول الناس حسابا وأغلظه عذابا الحديث . وروى الدينوري في المجالسة عن رافع الطائي قال : خطب أبو بكر رضي اللّه عنه فذكر المسلمين فقال : من ظلم منهم أحدا فقد أخفر ذمة اللّه ، ومن ولي من أمور المسلمين شيئا فلم يعظهم كتاب اللّه فعليه بهلة اللّه .
( ولعل القليل البصيرة يرى ما ورد في فضل الإمارة مع ما ورد من النهي عنها متناقضا وليس كذلك ، بل الحق فيه أن الخواص الأقوياء في الدين لا ينبغي أن يمتنعوا من تقلد الولايات ) لقوتهم وصلابتهم في الدين ، ( وأن الضعفاء ) في المعرفة ( لا ينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا ) لعدم تحملهم لذلك فيكون سببا لهلاكهم ، ( وأعني بالقوي الذي لا تميله الدنيا ولا يستفزه الطمع ) أي لا يحركه ولا يحمله ( ولا يأخذه في اللّه لومة لائم ، وهم الذين سقط الخلق في أعينهم ) فلم تكن لهم منزلة عندهم ، ( وزهدوا في الدنيا وتبرموا بها وبمخالطة الخلق ) أي ضجروا ( وقهروا أنفسهم ) فأماتوها وملوكها وقمعوا الشيطان فأيس منهم فلا يحول حول حماهم ،