والثانية : أن يراقب قلبه فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي فيدعوه إلى الإظهار بعذر الاقتداء ، وإنما شهوته التجمل بالعمل وبكونه يقتدى به ، وهذا حال كل من يظهر أعماله إلا الأقوياء المخلصين وقليل ما هم . فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك وهو لا يشعر ، فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل عليهم حتى تشبثوا به فهلكوا وهلك ، والغرق بالماء في الدنيا ألمه ساعة وليت كان الهلاك بالرياء مثله ، لا بل عذابه دائم مدّة مديدة ، وهذه مزلة أقدام العباد والعلماء فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص فتحبط أجورهم بالرياء ، والتفطن لذلك غامض ، ومحك ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو قيل له أخف العمل حتى يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك ويكون لك في السر مثل أجر الإعلان . فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به وهو المظهر للعمل فباعثه الرياء دون طلب الأجر واقتداء الناس به ورغبتهم في الخير ، فإنهم قد رغبوا في الخير بالنظر إلى غيره وأجره قد توفر عليه مع إسراره ، فما بال قلبه يميل إلى الإظهار لولا ملاحظته لأعين الخلق ومراءاتهم ؟ فليحذر العبد خدع النفس فإن النفس خدوع
شرح
( الثانية : أن يراقب قلبه في أنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي ) المستكن في الضمير ( فيدعوه إلى الإظهار بعذر الاقتداء ) أي يقول : إنما أظهره ليقتدي بي الناس وهذا عذري ، ( وإنما شهوته التجمل بالعمل وبكونه مقتدى به ) فيحتاج إلى المراقبة في ذلك ، فإن وجد في نفسه شيئا من ذلك لم يجز له الإظهار أصلا . ( وهذا حال كل من يظهر أعماله ) فإنه لا يخلو من حب الرياء الخفي ( إلا الأقوياء المخلصين ) الذين يتوقون من ذلك ( وقليل ما هم . فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك وهو لا يشعر ) بهلاكه ، ( فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة فنظر إلى جماعة غرقى ) مثله ( فرحمهم ) فأشفق لهم ( فأقبل عليهم حتى تشبثوا به ) فهلكوا وهلك معهم ، ( والغرق بالماء في الدنيا ألمه ساعة ) ثم يرتاح ( وليت كان الهلاك بالرياء مثله ، لا بل عذابه دائم ) مقيم ( مدة مديدة ) أي طويلة ، ( وهذه مزلة أقدام العباد والعلماء فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص فتحبط أجورهم بالرياء ) فيهلكون ، ( والتفطن لذلك غامض ) أي خفي المدرك ، ( ومحل ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو قيل له أخف العمل حتى يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك ) وأمثالك ( ويكون لك في السر مثل أجر الإعلان . فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به ) دون غيره ( وهو المظهر للعمل فباعثه الرياء دون طلب الأجر واقتداء الناس به ورغبتهم في الخير ، فإنهم قد رغبوا في الخير بالنظر إلى غيره وأجره قد توفر عليه مع إسراره ) أي إخفائه ، ( فما بال قلبه يميل إلى الإظهار لولا ملاحظته لأعين