أمر بالحذر من الكفار فقال تعالى :
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
[ النساء : 102 ] وقال تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ
[ الأنفال : 60 ] ، فإذا ألزمك بأمر اللّه الحذر من العدوّ الكافر وأنت تراه فبأن يلزمك الحذر من عدوّ يراك ولا تراه أولى . ولذلك قال ابن محيريز عدوّ صيد تراه ولا يراك يوشك أن تظفر به ، وصيد يراك ولا تراه يوشك أن يظفر بك . فأشار إلى الشيطان ، فكيف وليس في الغفلة عن عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة وفي إهمال الحذر من الشيطان التعرض للنار والعقاب الأليم ؟ فليس من الاشتغال باللّه الإعراض عما حذر اللّه . وبه يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنهم أن ذلك قادح في التوكل ، فإن أخذ الترس والسلاح وجميع الجنود وحفر الخندق لم يقدح في توكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكيف يقدح في التوكل الخوف مما خوّف اللّه به والحذر مما أمر اللّه بالحذر منه ؟ وقد ذكرنا في كتاب التوكل ما يبين غلط من زعم أن معنى التوكل النزوع عن الأسباب بالكلية ، وقوله تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ
[ الأنفال : 60 ] لا يناقض امتثال التوكل ، مهما
شرح
العدو وكما أمرنا بالحذر من الكفار فقال تعالى :وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ )أي ليأخذوا ما فيه الحذر بالكسر وهو التحرز ، والأسلحة جمع سلاح وهو كل عدة للحرب ( وقال تعالى :وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْفإذا الزمك بأمر اللّه الحذر من العدو والكافر وأنت تراه ) وتشاهده بعينك ( فبأن يلزمك الحذر من عدو يراك ) هو وقبيله ( ولا تراه ) ولا ترى قبيله ( أولى ) وآكد . ( ولذلك قال ) عبد اللّه ( بن محيريز ) بمهملة وراء آخره زاي مصغرا ابن جنادة بن وهب الجمحي المكي ، نزل بيت المقدس ، ثقة عابد مات سنة تسع وتسعين ، روى له الجماعة . ( عدوّ صيد تراه ولا يراك يوشك أن تظفر به وعدوّ صائد يراك ولا تراه يوشك أن يظفر بك . وأشار به ) أي بهذا الكلام ( إلى الشيطان ) فإنه عدوّك وقصده أن يصيدك وهو يراك ويخيل لك ويرمي عليك الفخ وأنت لا تراه فما أقرب أن تقع في قبضته . ( كيف وليس في الغفلة من عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة ) إن تيسر القتل ، ( وفي إهمال الحذر من الشيطان التعرض للنار والعقاب الأليم ، فليس من الاشتغال باللّه الإعراض عما حذر اللّه وبه يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنهم أن ذلك قادح في التوكل ، فإن أخذ الترس والسلاح وجمع الجند ) وحشد العساكر ( وحفر الخندق لم يقدح في توكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فكيف يقدح في التوكل الخوف مما خوّف اللّه تعالى به والحذر مما أمر اللّه بالحذر منه ؟ وقد ذكرنا في كتاب التوكل ما يبين غلط من ظن أن معنى التوكل النزوع من الأسباب بالكلية ) أي الخروج عنها . ( وقوله تعالىوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍمِنْ رِباطِ الْخَيْلِلا ينّقض امتثال التوكل مهما اعتقد القلب أن