تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
يكاد يكون غرورا ، إذ الأنبياء عليهم السلام لم يتخلصوا من وسواس الشيطان ونزغاته فكيف يتخلص غيرهم ؟ وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات وحب الدنيا ، بل في صفات اللّه تعالى وأسمائه ، وفي تحسين البدع والضلال وغير ذلك ، ولا ينجو أحد من الخطر فيه ، ولذلك قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
[ الحج : 52 ] .
شرح
نسخة إن خلا من قلوبهم حب الدنيا ( بالكلية فهو وسيلة الشيطان يكاد يكون غرورا إذ الأنبياء عليهم السلام لم يتخلصوا من وسواس الشيطان ونزغاته ، فكيف يتخلص غيرهم ؟ وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات وحب الدنيا ) كما ظنوا ، ( بل في صفات اللّه تعالى وأسمائه وفي تحسين البدع والضلال وغير ذلك . ولا ينجو أحد من الخطر فيه ، ولذلك قال تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ )وقد تقدم الكلام على الرسول والنبي في كتاب قواعد العقائد ( إلا إذا تمنى ) أي زوّر في نفسه ما يهواه ( ألقى الشيطان في أمنيته ) في تشهية ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما في الخبر : « وإنه ليغان على قلبي » ( فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ) أي فيبطله ويذهبه بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يريحه ( ثم يحكم اللّه آياته ) أي ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة ( واللّه عليم ) بأحوال الناس ( حكيم ) فيما يفعل بهم . قيل : حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت ، وقيل : تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليهم ما يقربهم إليه فاستمر بذلك حتى كان في ناديهم ، فنزلت عليه سورة النجم فأخذ يقرأها فلما بلغوَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى[ النجم : 20 ] وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه إلى أن قال : « تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى » ففرح به المشركون حتى تابعوه في السجود لما سجد في آخرها بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد ، ثم نبهه جبريل فاغتم به فعزاه اللّه بهذه الآية ، وهو مردود عند المحققين ، وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه ، وقيل ( تمنى ) قرأ كقوله :تمنى كتاب اللّه أول مرة * تمني داود الزبور على رسلوأمنيته قراءته وألقى الشيطان فيها أن تكلم بذلك رافعا صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقد رد أيضا مما نجد بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ثم يحكم اللّه آياته ، لأنه أيضا يحتمله . والآية تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرق الوسوسة إليهم . كل هذا سياق البيضاوي . والمسألة مختلف فيها قديما وقد تكلم عليها القاضي عياض في الشفاء ، ورد ما ذكروه في توجيه الآية ، وأوسع عليه الكلام شارحه الشهاب الخفاجي ، والصحيح ورود القضية فقد رويت من طرق كثيرة لا تحتمل الخطأ كما أشار إليه الحافظ في فتح الباري ، فقد أخرجه عبد بن حميد من طريق السدي ، عن أبي صالح عن ابن عباس ، والبزار ، والطبراني ، وابن مردويه ، والضياء في المختارة