وَلا تَضْحى
[ طه : 117 - 119 ] ومع أنه لم ينه إلا عن شجرة واحدة وأطلق له وراء ذلك ما أراد ، فإذا لم يأمن نبي من الأنبياء وهو في الجنة دار الأمن والسعادة من كيد الشيطان ، فكيف يجوز لغيره أن يأمن في دار الدنيا وهي منبع المحن والفتن ومعدن الملاذ والشهوات المنهي عنها ؟ وقال موسى عليه السلام فيما أخبر عنه تعالى :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
[ القصص : 15 ] ولذلك حذر اللّه منه جميع الخلق ، فقال تعالى :
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 27 ] وقال عز وجل :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
[ الأعراف : 27 ] والقرآن من أوّله إلى آخره تحذير من الشيطان فكيف يدعي الأمن منه ؟ وأخذ الحذر من حيث أمر اللّه به لا ينافي الاشتغال بحب اللّه ، فإن من الحب له امتثال أمره وقد أمر بالحذر من العدو كما
شرح
كلام العرب يقولون : أشقى من رائض المهر وسيد القوم أشقاهم ، ويؤيده قوله : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى )فإنه بيان وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية وأقطاب الكفاية هي الشبع والري والكسوة والكن مستغنيا عن اكتسابها والسعي بتحصيل اعراض ما عسى ينقطع ويزول منها بذكر نقائضها لتطرق سمعه بأصناف الشقوة المحذر منها ، ( مع أنه لم ينهه إلا عن شجرة واحدة ) . قيل : هي الحنطة ، وقيل : الكرم ، وقيل : التين ، وقيل غير ذلك ( وأطلق له وراء ذلك ما أراد ) وفيه الإشارة بقوله تعالى :فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى * فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما[ طه : 120 ، 121 ] ( فإذا لم يأمن نبي من الأنبياء وهو ) مستقر ( في الجنة ) التي هي ( دار الأمن والسعادة من كيد الشيطان ) ووسوسته ، ( فكيف يجوز لغيره أن يأمن ) من وسوسته وهو ( في دار الدنيا وهي منبع الفتن والمحن ومعدن الملاذ والشهوات المنهي عنها ؟ وقال موسى عليه السلام ) فيما حكى اللّه عنه في كتابه العزيز :وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ : ( هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ )لأنه لم يؤمر بقتل الكفار أو لأنه كان مؤمنا فيهم ، فلم يكن له اغتياله ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ ، وإنما عدّه من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهمإِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌظاهر العداوة . ( ولذلك حذر اللّه منه جميع الخلق فقال :يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ )آدم وحواء( يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما )أي حلل الجنة قيل :
إنهما لمّا تناولا من الشجرة سقطت عنهما الحلل . ( وقال عز وجل :إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ )أي جماعته وجنوده( مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْوالقرآن من أوله إلى آخره تحذير من الشيطان ) وتنبيه على غوايته وإرشاد في مخالفته . ( فكيف يدعى الأمن منه ؟ وأخذ الحذر من حيث أمر اللّه لا ينافي الاشتغال بحب اللّه تعالى ، فإن من الحب له امتثال أمره وقد أمرنا بالحذر من