للحذر منه انتظارا لوروده ، أم يجب التوكل على اللّه ليكون هو الدافع له ، أو يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه ؟ قلنا : اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه .
فذهبت فرقة من أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان لأنهم انقطعوا إلى اللّه واشتغلوا بحبه ، فاعتزلهم الشيطان وأيس منهم وخنس عنهم - كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى الخمر والزنا - فصارت ملاذ الدنيا عندهم - وإن كانت مباحة - كالخمر والخنزير ، فارتحلوا من حبها بالكلية فلم يبق للشيطان إليهم سبيل فلا حاجة بهم إلى الحذر .
وذهبت فرقة من أهل الشأم إلى أن الترصد للحذر منه إنما يحتاج إليه من قل يقينه ونقص توكله ، فمن أيقن بأن لا شريك للّه في تدبيره فلا يحذر غيره ويعلم أن الشيطان ذليل مخلوق ليس له أمر ولا يكون إلا ما أراده اللّه فهو الضار والنافع ، والعارف يستحيي منه أن يحذر غيره ، فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذر .
وقالت فرقة من أهل العلم : لا بدّ من الحذر من الشيطان وما ذكره البصريون من أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر وخلت قلوبهم عن حب الدنيا بالكلية فهو وسيلة الشيطان
شرح
يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه وعدم الالتفات إليه بالكلية ؟ قلنا : اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه ) .
( فذهبت فرقة من ) عباد ( أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان لأنهم انقطعوا إلى اللّه واشتغلوا بحبه ) فلم يكن في قلوبهم سعة لغير اللّه ، ( فاغتزلهم الشيطان وأيس منهم وخنس عنهم ) أي تأخر ( كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى ) شرب ( الخمر و ) مفارقة ( الزنا فصارت ملاذ الدنيا عندهم - وإن كانت مباحة كالخمر والخنزير فارتحلوا من حبها بالكلية ولم يبق للشيطان إليهم سبيل ) يوسوس لهم به ( فلا حاجة بهم إلى الحذر ) منه .
( وذهبت فرقة من ) عباد ( أهل الشام إلى أن الترصد للحذر منه إنما يحتاج إليه من قل يقينه ونقص توكله ، فمن أيقن أنه لا شريك للّه في تدبيره فلا يحذر غيره ويعلم أن الشيطان ذليل مخلوق وليس له ) في عباد اللّه ( أمر ، ولا يكون إلا ما أراده اللّه تعالى فهو الضار النافع ) وهو الفاعل المختار في خلقه ( والعارف يستحي منه أن يحذر غيره فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذر ) .
( وقالت فرقة ) وفي نسخة : طائفة ( من أهل العلم لا بد من الحذر من الشيطان وما ذكره البصريون من أن الأقوياء استغنوا عن الحذر ) عنه ( إن خلت قلوبهم من حب الدنيا ) وفي