وضرب الحارث المحاسبي رحمه اللّه لهذه الأربعة مثالا أحسن فيه فقال : مثالهم كأربعة قصدوا مجلسا من العلم والحديث لينالوا به فائدة وفضلا وهداية ورشدا ، فحسدهم على ذلك ضال مبتدع وخاف أن يعرفوا الحق ، فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عن ذلك ، ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى ، فلما عرف إباءه شغله بالمجادلة فاشتغل معه ليرد ضلاله وهو يظن أن ذلك مصلحة له ، وهو غرض الضال ليفوت عليه بقدر تأخره . فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه ، فوقف فدفع في نحر الضال ولم يشتغل بالقتال واستعجل ، ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه . ومر به الثالث فلم يلتفت إليه ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله ، بل استمر على ما كان ، فخاب منه رجاؤه بالكلية . فمر الرابع فلم يتوقف له ، وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته وترك التأني في المشي ، فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير فإنه لا يعاود خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله .
فإن قلت : فإذا كان الشيطان لا تؤمن نزغاته فهل يجب الترصد له قبل حضوره
شرح
( وضرب الحرث ) بن أسد ( المحاسبي ) رحمه اللّه تعالى ( لهذه الأربعة مثالا ) في كتاب الرعاية ( أحسن فيه فقال : مثالهم كأربعة ) أشخاص ( قصدوا مجلسا من العلم والحديث لينالوا به فائدة وفضلا وهداية ورشدا ، فحسدهم على ذلك ضال مبتدع يضل الناس ببدعته وخاف أن يعرفوا الحق ، فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عنه ، ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى ) عليه ولم يطعه ، ( فلما عرف أباءه شغله بالمجادلة معه فاشتغل معه ليرد ضلالته وهو يظن أن ذلك مصلحة له ، وهو غرض الضال ) ومقصوده الأعظم ( ليفوت عليه ) فائدة المجلس ( بقدر تأخره ) في جداله . ( فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه ) أي طلب أن يقف معه ، ( فوقف فدفع في نحر الضال ولم يشتغل بالقتال واستعجل ، ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه . ومر به الثالث فلم يلتفت إليه ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله ، بل استمر على ما كان ، فخاب منه رجاؤه بالكلية . فمر به الرابع فلم يتوقف له ، وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته وترك التأني في المشي ، فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير ، فإنه لا يعود إليه خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله ) فهذا المثال يفهمك إن الاشتغال بمجادلة الشيطان والوقوف له لاستماع زخرفته ولو لحظة ، والتأني لسماع ما يلقيه في الستويلات ولو غير ملتفت إليه كما هو حال هؤلاء الثلاثة محض خسران .
( فإن قلت : فالشيطان لا تؤمن نزغاته ) وفي نسخة مراوغاته ، ( فهل يجب الترصد له قبل حضوره للحذر منه انتظارا لوروده ، أم يجب التوكل على اللّه ليكون هو الدافع له ، أو