تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
حتى ذكروا ، وأكثر الشهوات التي تهجم فجأة هكذا تكون ، إذ تنسى معرفة مضرته الداخلة في عقد الإيمان . ومهما نسي المعرفة لم تظهر الكراهة فإن الكراهة ثمرة المعرفة . وقد يتذكر الإنسان فيعلم أن الخاطر الذي خطر له هو خاطر الرياء الذي يعرضه لسخط اللّه ، ولكن يستمر عليه لشدة شهوته فيغلب هواه عقله ولا يقدر على ترك لذة الحال ، فيسوّف بالتوبة أو يتشاغل عن التفكر في ذلك لشدة الشهوة ، فكم من عالم يحضره كلام
شرح
قلت : ولفظ مسلم من حديث جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سميرة ، وقال : بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت . ورواه كذلك ابن جرير ، وابن مردويه . وروى عبد بن حميد ، ومسلم ، وابن مردويه من حديث معقل بن يسار قال : لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلّى اللّه عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة ولم نبايعه على الموت ، ولكن بايعناه على أن نفر . وروى عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن قتادة فبايعوه على أن لا يفروا ولم يبايعوه على الموت . وأما حديث العباس في قصة حنين ، فعند مسلم من طريق كثير بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه وفيه : فطفق النبي صلّى اللّه عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها ، وأبو سفيان بن الحرث آخذ بركابه فقال : « يا عباس ناديا أصحاب الشجرة » . الحديث . وأخرجه الدولابي من حديث أبي سفيان بن الحرث بسند منقطع . وقصة حنين قد تقدم الكلام عليها في المعجزات وحاصله : أنه لما انكشفت خيل بني سليم مولية وتبعهم أهل مكة والناس ولم يثبت معه إلا عمه العباس ، وأبو سفيان بن الحرث ، وأبو بكر ، وأسامة في أناس من أهل بيته وأصحابه قال العباس : وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدوّ ، وأبو سفيان آخذ بركابه ، وجعل صلّى اللّه عليه وسلم يأمر العباس بمناداة الأنصار وأصحاب الشجرة ، فناداهم وكان صيتا ، فلما سمعوه وأقبلوا كأنهم الإبل حنت على أولادها يقولون : يا لبيك يا لبيك فتراجعوا حتى أن من لم يطاوعه بعيره نزل عنه ورجع ماشيا فأمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يصدقوا الحملة فاقتتلوا مع الكفار فنصرهم اللّه . ( وذلك لأن القلوب امتلأت بالخوف فنسيت العهد السابق حتى ذكروا ) بمناداة العباس فرجعوا ، ( وأكثر الشهوات التي تهجم فجأة ) أي مرة واحدة من غير انتظار ( هكذا تكون ، إذ تنسى معرفة مضرته الداخلة في عقد الإيمان ، ومهما نسي المعرفة لم تظهر الكراهة فإن الكراهة ثمرة المعرفة ، وقد يتذكر الإنسان فيعلم أن الخاطر الذي خطر له هو خاطر رياء وهو الذي يعرضه لسخط اللّه ) أي غضبه ، ( ولكنه يستمر عليه ) بعد علمه به ( لشدة شهوته فيغلب هواه عقله ولا يقدر على ترك لذة الحال ) ويؤثره على لذة المآل ، ( فيستلذ بالشهوة ويسوف بالتوبة ) أي يؤخرها ( أو يتشاغل عن التفكر في ذلك لشدة الشهوة ) لأنها تعمى حاسة الفكر ، ( فكم من عالم يحضره كلام لا يدعوه إلى فعله إلا رياء الخلق وهو يعلم ذلك ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 141 | مرتضى الزبيدي