فإن قلت : فمن صادق من نفسه كراهة الرياء وحملته الكراهة على الإباء ولكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه وحبه له ومنازعته إياه إلا أنه كاره لحبه ولميله إليه وغير مجيب إليه ، فهل يكون في زمرة المرائين ؟ فاعلم أن اللّه لم يكلف العباد إلا ما تطيق وليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته ولا قمع الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات ولا ينزغ إليها ، وإنما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثارها من معرفة العواقب وعلم الدين وأصول الإيمان باللّه واليوم الآخر ، فإذا فعل ذلك فهو الغاية في أداء ما كلف به .
ويدل على ذلك من الأخبار ما روي أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شكوا إليه وقالوا :
تعرض لقلوبنا أشياء لأن نخرّ من السماء فتخطفنا الطير أو تهوي بنا الريح في مكان سحيق أحب إلينا من أن نتكلم بها ، فقال عليه السلام : « أو قد وجدتموه » ؟ قالوا : نعم
شرح
( فإن قلت : فمن صادف من نفسه كراهة الرياء وحملته الكراهة على الإباء ولكنه مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه وجد له ومنازعته إياه إلا أنه كاره لحبه ولميله وغير محبب إليه ، فهل يكون في زمرة المرائين ) نظرا إلى ذلك الميل أو لا يعد في زمرتهم نظرا إلى كراهته ونفرته منه ؟ ( فاعلم أن اللّه تعالى لم يكلف العبد إلا ما يطيق ) ويقدر عليه ( وليس في طاقة العبد منع الشيطان من نزغاته ) بالكلية ( ولا قمع الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات ) أصلا ، ( ولا ينزع إليها ، وإنما غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثارها من معرفة العواقب وعلم الدين وأصول الإيمان باللّه واليوم الآخر ، فإذا فعل ذلك فهو الغاية فيما كلفه ) وفي نسخة في أداء ما كلف . ( ويدل على ذلك من الأخبار ما روي أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شكوا إليه وقالوا : تعرض لقلوبنا أشياء لأن نخر من السماء ) أي نسقط ( فتخطفنا الطير أو تهوى بنا الريح في مكان سحيق ) أي بعيد الغور ( أحب إلينا أن نتكلم بها . فقال ) صلّى اللّه عليه وسلم :
( « أو قد وجدتموه » ؟ قالوا : نعم ) وجدناه ( قال : « ذلك صريح الإيمان » ) قال العراقي :
رواه مسلم من حديث ابن مسعود مختصرا سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن الوسوسة فقال ذلك محض الإيمان ، ورواه النسائي في اليوم والليلة ، وابن حبان في صحيحه ، ورواه النسائي فيها من حديث عائشة ا ه .
قلت : لفظ المصنف أخرجه البزار من حديث عمارة بن أبي حسن المازني عن عمه عبد اللّه بن زيد بن عاصم أن الناس سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الوسوسة التي يجدها أحدهم لأن يسقط من عند الثريا أحب إليه من أن يتكلم به قال : « ذاك صريح الإيمان إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك فإذا عصم منه وقع فيما هنالك » . وإسناده صحيح . وقد رواه أيضا لكنه مختصرا مسلم ، وأبو داود ، والنسائي من حديث أبي هريرة ، والطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود . أما حديث عائشة فلفظه : « شكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما يجدون من الوسوسة . قال : ذلك محض الإيمان » هكذا رواه أحمد ، ورواه أبو يعلى من حديث أنس ، ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود .