فأي خير لك في مدح الناس . وأنت عند اللّه مذموم ومن أهل النار ؟ وأيّ شرّ لك من ذم الناس وأنت عند اللّه محمود في زمرة المقربين ؟ فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند اللّه استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من الكدورات والمنغصات ، واجتمع همه وانصرف إلى اللّه قلبه وتخلص من مذلة الرياء ومقاساة قلوب الخلق ، وانعطف من إخلاصه أنوار على قلبه ينشرح بها صدره وينفتح بها له من لطائف المكاشفات ما يزيد به أنسه باللّه ووحشته من الخلق واستحقاره للدنيا واستعظامه للآخرة ، وسقط محل الخلق من قلبه وانحل عنه داعية الرياء وتذلل له منهج
شرح
وأخرج الترمذي وحسنه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال :
جاء رجل فقال : يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ذلك اللّه » .
وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير عن قتادة أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال :
يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين . فقال : « ذلك هو اللّه » فنزلتإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَالآية .
وأخرج ابن إسحاق ، وابن مردويه عن ابن عباس قال : قد وفد بني تميم وهم سبعون رجلا أو ثمانون رجلا . منهم الزبرقان بن بدر ، وعطاء بن معبد ، وقيس بن عاصم ، وقيس بن الحرث ، وعمرو بن أهتم المدينة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري ، وكان يكون في كل سراة حتى أتوا منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنادوه من وراء الحجرات فقالوا : يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين نحن أكرم العرب فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « كذبتم بل مدحة اللّه الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » فقالوا : إنما أتيناك لنفاخرك فذكره بطوله وقال في آخره : فقام التميميون فقالوا : واللّه إن هذا الرجل لمصنوع له لقد قام في خطبته فكان أخطب من خطيبنا ، وقال شاعره : فكان أشعر من شاعرنا . قال : ففيهم أنزل اللّهإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَالآية .
( إذ لا زين إلا في مدحه ولا شين إلا في ذمه فأي خير لك في مدح الناس وأنت عند اللّه مذموم ومن أهل النار ؟ وأي شر لك في ذم الناس وأنت عند اللّه محمود في زمرة المقربين ؟
فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند اللّه استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة الدنيا مع ما فيه من الكدورات ) والغمومات ( والمنغصات ) التي لا تكاد تفارق الأحوال ، ( واجتمع همه وانصرف إلى اللّه قلبه وتخلص من مذمة الرياء ومقاساة قلوب الخلق ، بأنواع التعب ، وانعطفت من إخلاصه أنوار ) تشرق ( على قلبه ينشرح بها صدره وينفتح له من لطيف المكاشفات ) الإلهية ( ما يزيد به أنسه باللّه وحشته للخلق واستحقاره للدنيا واستعظامه للآخرة ، وسقط محل الخلق عن قلبه وانحل عنه داعية الرياء