قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على اللّه قلبه ، فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه ، ويكفيه أن الناس لو علموا في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص لمقتوه ، وسيكشف اللّه عن سره حتى يبغضه إلى الناس ويعرفهم أنه مراء وممقوت عند اللّه ، ولو أخلص للّه لكشف اللّه لهم إخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق ألسنتهم بالمدح والثناء عليه ، مع أنه لا كمال في مدحهم ولا نقصان في ذمهم كما قال شاعر من بني تميم : إن مدحي زين وإن ذمي شين ! فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
« كذبت » ذاك اللّه الذي لا إله إلا هو » ، إذ لا زين إلا في مدحه ولا شين إلا في ذمه ،
شرح
الآسباب وضررها فترت رغبته ) أي ضعفت ( وأقبل على اللّه بقلبه ) بكليته ، ( فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص لمقتوه ) أي أبغضوه ، ( وسيكشف اللّه عن سره ) وما في باطنه ( حتى يبغضه إلى الناس ويعرفهم أنه مراء ممقوت عند اللّه تعالى ، ولو أخلص للّه لكشف اللّه لهم إخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له ) وكفاه المؤنة ( واطلق ألسنتهم بالحمد والثناء عليه ، مع أنه لا كمال في حمدهم ولا نقصان في ذمهم كما قال شاعر بني تميم ) هو الأقرع بن حابس :
( إن مدحي زين وإن ذمي شين . فقال له صلّى اللّه عليه وسلم : « كذبت ، ذلك اللّه رب العالمين الذي لا إله إلا هو » ) قال العراقي : رواه أحمد من حديث الأقرع بن حابس وهو قائل ذلك دون قوله :
« كذبت » ورجاله ثقات إلا أني لا أعرف لأبي سلمة بن عبد الرحمن سماعا من الأقرع . ورواه الترمذي من حديث البراء وحسنه بلفظ : جاء رجل فقال : إن حمدي ا ه .
قلت : قال الحافظ في الإصابة في ترجمة الأقرع بن حابس رواه ابن جرير ، وابن أبي عاصم ، والبغوي من طريق وهب ، عن موسى بن عقبة ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن الأقرع بن حابس أنه نادى النبي صلّى اللّه عليه وسلم من وراء الحجرات فلم يجبه فقال : يا محمد إن حمدي لزين وإن ذمي لشين . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ذلكم اللّه » قال ابن منده : روي عن أبي سلمة أن الأقرع نادى فذكره مرسلا وهو الأصح ، وكذلك رواه الروياني من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال :
نادى الأقرع فذكره مرسلا . وأخرجه أحمد على الوجهين ، ووقع في رواية ابن جرير التصريح بسماع أبي سلمة من الأقرع فهذا يدل على أنه تأخر ا ه .
وقال السيوطي في الدر المنثور : أخرج أحمد ، وابن جرير ، والبغوي ، وابن مردويه والطبراني بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد اخرج إلينا فلم يجبه . فقال : يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي لشين . فقال : « ذلك اللّه » فأنزل اللّه عز وجلإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ[ الحجرات : 4 ] قال البغوي : لا أعلم روى الأقرع مسندا غير هذا .