أحوجك إلى امرأة تأنس بها . فقال : لا آنسني اللّه بها أي أن الانس بها يمنع الأنس باللّه تعالى . وقال أيضا : كل ما شغلك عن اللّه من أهل ومال وولد فهو عليك مشؤم . فكيف يقاس غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم به ، وقد كان استغراقه بحب اللّه تعالى بحيث كان يجد احتراقه فيه إلى حد كان يخشى منه في بعض الأحوال أن يسري ذلك إلى قالبه فيهدمه فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة أحيانا ويقول : « كلميني يا عائشة » لتشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه ، فقد كان طبعه الأنس باللّه عز وجل ، وكان أنسه بالخلق عارضا رفقا ببدنه ، ثم إنه كان لا يطيق الصبر مع الخلق إذا جالسهم ، فإذا ضاق صدره قال : « أرحنا بها يا بلال » حتى يعود إلى ما هو قرة عينه ، فالضعيف إذا لاحظ أحواله في مثل هذه الأمور فهو مغرور لأن الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله صلّى اللّه عليه وسلم فشرط المريد العزبة في الابتداء إلى أن يقوى في المعرفة . هذا إذا لم تغلبه
شرح
يريد إذا كان في ابتداء سلوكه فإنه ينقطع حينئذ عن مجاهدة النفس ، وقد ضمت إليه نفس أخرى فيشتغل بها فلا يكاد يثبت على أدل حاله الذي شرع فيه ، ( وقيل له مرة ما أحوجك إلى امرأة تأنس بها ! فقال : لا آنسني اللّه بها إن الانس بها يمنع الإنس باللّه تعالى ) أي لا يتفق الإنسان في قلب واحد إما انس باللّه وإما انس بالزوجة . ( وقال أيضا : كل ما شغلك عن اللّه تعالى من أهل ومال وولد فهو عليك مشؤم ) . وقال أيضا : إنما تركوا التزويج لتتفرغ قلوبهم إلى الآخرة . وفي حديث الحسن البصري رحمه اللّه تعالى إذا أراد اللّه بعبد خيرا لم يشغله بأهل ولا مال . قال أحمد بن أبي الحواري صاحب أبي سليمان : معنى الحديث أن يكون له ولا يشغلونه لا أن لا يكون له ، ( فكيف يقاس غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم به ، وقد كان استغراقه بحب اللّه تعالى بحيث كان يجد احتراقه فيه إلى حد كان يخشى منه في بعض الأحوال ) والأحيان ( أن يسري ذلك ) من قلبه ( إلى قالبه فيهدمه ) أي يغيره عن صحته ، ( فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة ) رضي اللّه تعالى عنها ( أحيانا ويقول « كلميني يا عائشة » لتشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه ) قال العراقي : لم أجد له أصلا ، ( فقد كان طبعه ) صلّى اللّه عليه وسلم ( الأنس باللّه عز وجل ) دائما ( وكان أنسه بالخلق عارضا ) لاحقا ( رفقا ببدنه ، ثم أنه ) صلّى اللّه عليه وسلم ( كان لا يطيق الصبر مع الخلق إذا جالسهم ، فإذا ضاق صدره قال : « أرحنا يا بلال » ) يعني بإقامة الصلاة . وقد تقدم ذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة ( حتى يعود إلى ما هو قرة عينه ) يشير إلى قوله « وجعلت قرة عيني في الصلاة » وقد تقدم الكلام عليه أيضا .
( فالضعيف إذا لاحظ أحواله في مثل هذه الأمور فهو مغرور لأن الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله صلّى اللّه عليه وسلم ) ، فلا ينبغي أن يقيس أحواله ولا أفعاله بأفعاله ولا يوقع نفسه في الغرور فيهلك ، ( فشرط المريد العزبة في الابتداء ) ليجتمع له مع مجاهدة نفسه الأنس باللّه عز وجل وحده ( إلى أن يقوى في المعرفة ) ويتفرغ قلبه للّه تعالى ، فيكون ذا أدب ساكن وقلب