تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
قال صلّى اللّه عليه وسلم : « معاشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فالصوم له وجاء » . بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله : اعلم أن المريد في ابتداء أمره ينبغي أن لا يشغل قلبه ونفسه بالتزويج فإن ذلك شغل شاغل يمنعه من السلوك ويستجره إلى الأنس بالزوجة . ومن أنس بغير اللّه تعالى شغل عن اللّه ولا يغرنه كثرة نكاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا عن اللّه تعالى ، فلا تقاس الملائكة بالحدادين . ولذلك قال أبو سليمان الداراني : من تزوج فقد ركن إلى الدنيا . وقال : ما رأيت مريدا تزوّج فثبت على حاله الأوّل . وقيل له مرة : ما
شرح
ويزيد شهوة ، فأعظم فائدة أن يلحق صاحبه بأفق البهائم والتيوس والثيران وغيرهما مما يوصف بالشبق ، ( ومهما أفرطت فكسرها بالجوع والنكاح . قال صلّى اللّه عليه وسلم « معشر الشباب عليكم بالباءة ) أي النكاح ، ( فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » ) أي قطع له وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب النكاح مفصلا .

بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله :

( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن المريد في ابتداء أمره ) في سلوكه ( لا ينبغي أن يشغل قلبه ونفسه بالتزويج فإن ذلك شغل شاغل يمنعه من السلوك ويستجره إلى الأنس بالزوجة ومن أنس بغير اللّه تعالى شغل عن اللّه تعالى ) . وقال صاحب القوت : الأفضل للمريد في زماننا هذا ترك التزويج إذا أمن الفتنة وعود العصمة ولم تنازعه نفسه إلى معصية ، ولم يرادف خاطر النساء على قلبه حتى يشتت همه أو يقطعه عن حسن الإقبال على الخدمة من مسامرة الفكر ومحادثة النفس بأمر النساء ولم تجمح نفسه إلى محظور وكثرة الخواطر بالشهوات يغير القلب من الخشوع ويدخل عليه النقصان ، فمتى لم يبتل العبد بهذه الوساوس ، فإن التخلي أفضل لمعان محمودة لأنه يجد لذة الوحدة وحلاوة المعاملة ويقبل على نفسه ويشتغل بحاله فلا يهتم بحال غيره ، فيحمل حاله على حاله فيقصر أو يقوم بحكم نفسه أخرى فيعجز ويعالج شيطانا آخر مع شيطانه ، وتنضم نفس أخرى إلى نفسه وله في مجاهدة نفسه ومصابرة هواه وعدوّه أكبر الأشغال . ( ولا يغرنه كثرة نكاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فإنه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا عن اللّه تعالى ) لأشتغاله بمطالعة جمال مولاه ، ( فلا تقاس الملائكة بالحدادين ) هم الذين يشتغلون بعمل الحديد فهم بذلك في غاية القذارة أو المراد بهم البوّابون من الحد بمعنى المنع فهم يمنعون الداخل في البيت ، ( ولذلك قال أبو سليمان الداراني ) رحمه اللّه تعالى : ( من تزوّج ) أو سافر أو طلب الحديث ( فقد ركن إلى الدنيا ) أورده صاحب القوت ، وقد تقدم في كتاب العلم . وإنما قال ذلك لأن هذه الأمور مما توجب الركون إلى الدنيا لا محالة . ( وقال ) أيضا : ( ما رأيت مريدا تزوّج فثبت على حاله الأوّل ) وكأنه