إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 89
القول في شهوة الفرج : اعلم أن شهوة الوقاع سلطت على الإنسان لفائدتين : إحداهما : أن يدرك لذته فيقيس به لذات الآخرة . فإن لذة الوقاع لو دامت لكانت أقوى لذات الأجساد ، كما أن النار وآلامها أعظم آلام الجسد . والترغيب والترهيب يسوق الناس إلى سعادتهم وليس ذلك إلا بألم محسوس ولذة محسوسة مدركة ، فإن ما لا يدرك بالذوق لا يعظم إليه الشوق . الفائدة الثانية : بقاء النسل ودوام الوجود فهذه فائدتها . ولكن فيها من الآفات ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم ترد إلى حد الاعتدال . وقد قيل في تأويل قوله تعالى : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] معناه شدة الغلمة ، وعن ابن عباس : في قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [ العلق : 3 ] قال : هو القول في شهوة الفرج : ( اعلم ) أيدك اللّه ( أن شهوة الوقاع ) أي المجامعة بين الرجل وزوجته ( سلطت على الإنسان لفائدتين ) : ( أحداهما : أن يدرك لذته فيقيس به لذات الآخرة ) إذ ليس كل الناس يعرف اللذات المعقولة ولو توهمناها مرتفعة لما تشوّقوا إلى لذات الجنة ، ( فإن لذة الوقاع ) هي لذة ساعة ( لو دامت لكانت أقوى لذات الأجساد ) كلها ( كما أن النار وألمها أعظم آلام الجسد والترغيب والترهيب يسوق الناس إلى سعادتهم وليس ذلك إلا بألم محسوس ولذة محسوسة مدركة ، فإن ما لا يدرك بالذوق لا يعظم إليه الشوق ) ولا تحصل فيه الرغبة . ( الفائدة الثانية : بقاء النسل ودوام الوجود ) ونظام العالم ، ( فهذه فائدتها ) فلولا الشهوة ما كان الوقاع ، ولولا الوقاع ما كان النسل فاللّه سبحانه جعلها سببا لهذا الإيجاد ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « تناكحوا تكثروا » وقال « خير النساء الولود الودود وشرها العقيم » وقال « تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم » وقال « سوداء ولود خير من حسناء عقيم » ولقصد النسل حظر إتيان المرأة في محاشها وكره العزل تأكيدا للمقصود من النكاح ، ( ولكن فيها من الآفات ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ) على القانون ( وتقهر وترد إلى حدّ الاعتدال ) الذي هو خير الأمور ، ( وقد قيل في تأويل قوله تعالى رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ معناه الغلمة ) قال صاحب القوت : رويناه عن قتادة . قلت : وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول ما لا طاقة لنا به قال : العزبة والإنعاظ والغلمة . وأخرج السدي قال : من التغليظ والإغلال إلى الغلمة . ( وعن أبن عباس ) رضي اللّه عنهما ( في قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ قال : هو قيام الذكر ) قال صاحب القوت : رويناه عن ابن عباس .