قد أسقطت عن نفسك الشهوة وتكون قد نغصت عليها إذ لم تعطها شهوتها . وقال جعفر بن محمد الصادق : إذا قدمت إلى شهوة نظرت إلى نفسي فإن هي أظهرت شهوتها أطعمتها منها وكان ذلك أفضل من منعها ، وإن أخفت شهوتها وأظهرت العزوب عنها عاقبتها بالترك ولم أنلها منها شيئا ، وهذا طريق في عقوبة النفس على هذه الشهوة الخفية .
وبالجملة ، من ترك شهوة الطعام ووقع في شهوة الرياء كان كمن هرب من عقرب وفزع إلى حية ، لأن شهوة الرياء أضر كثيرا من شهوة الطعام واللّه ولي التوفيق .
شرح
يسيرا ولا تعط نفسك ) منها ( مناها ، فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة و ) تكون قد ( نقصت عليها ) إذ لم تبلغ ( شهوتها ) قال صاحب القوت ، فإن فعل هذا فحسن لأن أبا سليمان خاف عليه ما ذكرناه قبيل من أن يظهر ترك الشهوة فيصير منعه باعتقاد فضله من ترك الشهوات أبلغ من أكل الشهوات ، أو أن يأكلها فتشرف عليها نفسه ببلوغ شهوته التي كان تركها لعلة الإخلاص كما تقول العامة بعلة الصبي تشبع الدابة فإن بقي يقينه وغاب الخلق عن عينه تركها وقلبه مطمئن بالإيمان لأنه لم يعتل بالنظر فيتداوى بالتناول للبعض فأما إن كان قد اعتقد ترك شهوة لمعنى دخل عليه منها يخرجه من الورع أو بعزم على المجاهدة ثم أتى بها ، فهذا اختبار مل اللّه له لينظر كيف يعمل بالوفاء بالعقد فأحب إلي أن لا ينال منها شيئا وليتعلل وليدافع عن نفسه بالمعاريض والمعاني حتى لا يفطن به أنه تركها للمجاهدة فيكون قد فعل الوصفين معا الوفاء بالعقد في تركها والتورية بلطيف الحيلة عن الفطنة له في قصده ، وهذا طريق المريدين وصفات المتقين وهو الطريق الأدنى الذي ذكرناه أولا فإن ظهر قرب اللّه تعالى منه وغلبه نظره إليه أغناه عن الحيلة والاحتيال لقربه وشهادة ذي الجلال والإكرام وهو الطريق الأعلى الذي ذكرناه آخرا وهذا للموقنين .
( وقال جعفر بن محمد ) بن علي بن الحسين ( الصادق ) رحمه اللّه تعالى ( إذا قدمت إليّ الشهوة نظرت إلى نفسي فإن هي أظهرت شهوتها ) لها ( أطعمتها منها ، وكان ذلك أفضل من منعها وإن أخفت شهوتها وأظهرت العزوف عنها عاقبتها بالترك ولم أنلها منها شيئا ) نقله صاحب القوت وقال : وتفسير ذلك أن إظهار النفس للشهوة أن لا تبالي أن تعرف بأكل الشهوات وأن تحب أن يظهر على ذلك من يعرف من أهل الديانات وإخفاء النفس للشهوة أن تشتهي وتحب أن يعلمها أنها تحب وتشتهي وتكره أن تعرف بأنها ممن تشتهيها ، ( وهذا طريق في عقوبة النفس على هذه الشهوة الخفية ) التي هي شهوة الشهوات .
( وبالجملة : من ترك شهوة الطعام ووقع في شهوة الرياء كان ) في المثال ( كمن هرب من عقرب وفزع إلى حية لأن شهوة الرياء أضر من شهوة الطعام ) كما تقدم .