وكان بعضهم يشتري الشهوات ويعلقها في البيت وهو فيها من الزاهدين ، وإنما يقصد به تلبيس حاله ليصرف عن نفسه قلوب الغافلين حتى لا يشوشون عليه حاله .
فنهاية الزهد : الزهد في الزهد بإظهار ضدّه وهذا عمل الصديقين فإنه جمع بين صدقين كما أن الأول جمع بين كذبين . وهذا قد حمل على النفس ثقلين وجرعها كأس الصبر مرتين مرة بشربه ومرة برميه ، فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وهذا يضاهي طريق من يعطي جهرا فيأخذ ويرد سرا ليكسر نفسه بالذل جهرا وبالفقر
شرح
ذلك ويكشفون نفوسهم به ، فإن فاتك الطريق الأقرب الأعلى فاسلك الطريق الأسلم الأوسط ، فأما أن يكون عبد يأكل بالشهوات في السر ويخفيها في العلانية أو يظهر شعار ضدها من الترك لها والزهد فيها فليس هذا طريق الموقنين ولا مسلك الصادقين . وهذا قد عرج عن طريق المسالك وسلك سبيل المهالك فإياك أن تترك محجة الطريق فتقع في حيرة المضيق .
روي أن عابدا من بني إسرائيل انتهى من سياحته إلى أرض لقوم رأى في وسطها طريقا مستطرقا تسلك فيه السابلة فقال : هذه أرض لقوم كيف أسلكها شق عليه أن يجاوز الأرض فيبعد عليه طريقه فتفكر وقال : هذا طريق مسلوك لا بأس علي أن أسلكه فسلكه ، فلما خرج من تلك الأرض عوقب على ذلك ونسي ذنبه فجعل يستكشف فقيل له : لأنك سلكت عليّ على غير طريق ودخلت حرث قوم بغير إذنهم فقال : يا رب معذرة إليك إني رأيته قد جعل طريقا فأوحى اللّه إليه أو كل ما اتخذ الظالمون طريقا جعلته إلي سبيلا فمن سلك طريق ظالم بغرور لم يكن في ذلك معذورا وأوقعه في الحيرة والغرور ، فهلك وأهلك من اقتدى به . وهذا طريق متصنع جاهل متطرق بذلك إلى الدنيا يتسوق عند الناس بترك الشهوات مظلم التوحيد في الوحدة ضعيف اليقين في غيبته عن العيون ، ( وقد كان بعضهم ) من الصادقين من السلف ( يشتري الشهوات بنفسه ) ويعلقها في البيت ويظهر للناس شعار الزاهدين ( وهو فيها ) عند اللّه ( من الزاهدين ) لا يأكلها ( وإنما يقصد بذلك ) إسقاط منزلته من قلوب الجاهلين و ( التلبيس ) أي الإخفاء ( لحاله ) عن الناظرين ( ليصرف نفسه قلوب الغافلين ) ويشتري بالمعاملات لتنقطع عنه المقالات ( حتى لا يتشوش حاله ) لأن هذا مقام من زهد في الأشياء وأخفى زهده ، ( فنهاية ) الخفاء ( الزهد الزهد في الزهد بإظهار ضده ) واستشعار المزهود فيه ثم لا يتناول ولا يتمتع به ، فيكون هذا أشد من المجاهدة . ( وهذا عمل الصديقين ) وحال الصادقين وطريق الأقوياء من أهل الإرادات ، ( فإنه جمع بين صدقين كما أن الأول جمع بين كذبين ، وهذا قد حمل على النفس ثقلين ) ثقل المنع من الحظ وثقل سقوط المنزلة عند الخلق فعدمت النفس لذة المتعة به وفقدت إثبات المنزلة بتركه ( وجرعها كأس الصبر مرتين مرة بشربه ومرة برميه ) وقذفه ، ( فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وهذا يضاهي طريق من يعطي جهرا ) وعلانية ( فيأخذ ، ويرد سرا ) وخفية ( ليكسر نفسه في الأخذ بالذل جهرا ) إذ فيه سقوط الجاه