خدا وقفت على ذلك ، وآكل منه ألوانا ، عينه لونا ، وأذنه لونا ، ولسانه لونا ، وغلصمته لونا ، ودماغه لونا ، وأكفى مؤنة طبخه ، فقد اجتمعت لي فيه مرافق . وخرج يوما يريد الخليفة المهدي فقالت له امرأة من أهله : ما لي عليك إن رجعت بالجائزة ؟ فقال : إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما فأعطى ستين ألفا فأعطاها أربعة دوانق . واشترى مرة لحما بدرهم فدعاه صديق له فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق وقال : أكره الإسراف . وكان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول : لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش ، فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال : سر بنا ، فدخل منزله فقرب إليه كسرة وملحا ، فجاء سائل فقال له رب المنزل :
بورك فيك ، فأعاد عليه المسألة فقال له بورك فيك ، فلما سأل الثالثة قال له إذهب وإلا واللّه خرجت إليك بالعصا قال فناداه الأعمش فقال إذهب ويحك فلا واللّه ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه ! هو منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فلا واللّه ما زادني عليهما .
شرح
( عينا أو أذنا أو خدا وقفت على ذلك ) فهو محدود ، ( و ) مع ذلك ( آكل منه ألوانا ، آكل عينه لونا ، وأذنيه لونا ، ولسانه لونا ، وغلصمته ) وهي رأس الحلقوم ( لونا ، ودماغه لونا ، و ) مع ذلك ( أكفى مؤنة الطبخ ؛ فقد اجتمعت لي فيه مرافق ) وهذا بخل فيه نوع تدبير .
( و ) يحكى أنه ( خرج يوما يريد الخليفة المهدي ) العباسي ( فقالت له امرأة من أهله : ما لي عليك إن رجعت بالجائزة ) أي الصلة والعطية ؟ ( فقال : إن أعطيت مائة ألف ) درهم ( أعطيتك درهما فأعطي ستين ألفا ) درهما ( فأعطاها أربعة دوانق ) ولم يكمل لها درهما .
( و ) يحكى أيضا أنه ( اشترى مرة لحما بدرهم فدعاه صديق له ) إلى منزله ( فرّد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق وقال : أكره الإسراف . وكان للأعمش ) سليمان بن مهران الكوفي الفقيه ( جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل يقول : لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش ) ويتعلل ويواعد ، ( فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال : سر بنا ، فدخل منزله فقرب إليه كسرة وملحا ) كما كان يعده به ( إذ سأل سائل بالباب ، فقال رب المنزل : بورك فيك فأعاد عليه المسألة ، فقال له : بورك فيك ، فلما سأل الثالثة . قال له : اذهب وإلّا واللّه خرجت إليك بالعصا . قال : فناداه الأعمش وقال : اذهب ويحك فلا واللّه ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فلا واللّه ما زادني عليهما ) . وللبخلاء أخبار كثيرة ونوادر شهيرة ، وقد اقتصر المصنف على هذا القدر ، وهو الذي أورده الخطيب في كتاب البخلاء بأسانيده .