إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 779
بيان الايثار وفضله : اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات . فارفع درجات السخاء الإيثار ، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه ، وإنما السخاء عبارة عن بذل ما يحتاج إليه أو لغير محتاج ، والبذل مع الحاجة أشد . وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة ، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى ، ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ؛ ولو وجدها مجانا لأكلها . فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة ؛ وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه فانظر ما بين الرجلين ؟ فإن الأخلاق عطايا يضعها اللّه حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة في السخاء ، وقد أثنى اللّه على الصحابة رضي اللّه عنهم به فقال : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له » ، وقالت عائشة رضي اللّه عنها : « ما شبع بيان الإيثار وفضله : ( اعلم أن السخاء والبخل كل واحد ) منهما ( ينقسم إلى درجات ، فارفع درجات السخاء الإيثار ، وهو أن يجود بالمال ) على الغير ( مع الحاجة إليه ، وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه ) سواء كان ( لمحتاج أو غير محتاج والبذل ) مع وجود ( الحاجة أشد ) ، فلذا كان الإيثار أرفع درجاته ، وهذا هو حد السخاء في المخلوق . وسيأتي الكلام عليه عند ذكره في الفصل الذي يليه ، ( وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الاحتياج ) لما يسخو به ، ( فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة ) إليه ، ( فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى ) لبخله ، ( ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ) والإمساك للمال محبة فيه ( و ) قرينة ذلك أنه ( لو وجدها مجانا ) بغير عوض لأكلها ، فدل ذلك أن الامتناع منها إنما هو لأجل البخل . ( فهذا يبخل على نفسه مع الحاجة ؛ وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه لا حاجة به إلى ذلك ، فانظر ما بين الرجلين ) من التفاوت ؟ ( فإن الأخلاق عطايا ) من الملك الخلاق جل سبحانه ( يضعها اللّه حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة في السخاء ، وقد أثنى اللّه تعالى على الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( فقال : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) أي حاجة وفقر ، كما سيأتي قريبا في سبب نزوله . ( وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أيما رجل ) وفي رواية : أيما امرئ ( اشتهى شهوة فردّ شهوته وآثر على نفسه غفر له » ) وفي رواية : غفر اللّه له . قال العراقي : رواه ابن حبان في الضعفاء ، وأبو الشيخ في الثواب من حديث ابن عمر بسند ضعيف وقد تقدم انتهى . قلت : وكذلك رواه الدارقطني في الافراد ، وقد تقدم للمصنف سبب هذا الحديث ، وهو ما